فهرس الكتاب

الصفحة 2132 من 3341

فإن قلت: كيف ساغ لنبيّ الله الذي هو شعيب عليه السلام أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية؟ قلت: الأمر في نفسه ليس بمحظور ، فالدين لا يأباه . وأما المروءة ، فالناس مختلفون في ذلك ، والعادات متباينة فيه ، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر ، خصوصًا إذاكانت الحالة حالة ضرورة { إِنّى } لأي شيء { أَنزَلْتَ إِلَىَّ } قليل أو كثير ، غث أو سمين ل { فَقِيرٌ } وإنما عُدي فقير باللام؛ لأنه ضمن معنى سائل وطالب . قيل: ذكر ذلك وإن خضرة البقل يتراءى في بطنه من الهزال ، ما سأل الله إلا أكلة . ويحتمل أن يريد: إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين وهو النجاة من الظالمين . لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة: قال ذلك رضا بالبدل السني ، وفرحا به ، وشكرًا له ، وكان الظل ظل سمرة { عَلَى استحياء } في موضع الحال ، أي: مستحيية متخفرة وقيل . قد استترت بكم درعها . روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلًا صالحًا رحمنا فسقى لنا ، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي ، فتبعها موسى فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته ، فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، فلما قص عليه قصته قال له . لا تخف فلا سلطان لفرعون بأرضنا . فإن قلت: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة ، وأن يمشي معها وهي أجنبيه؟ قلت: أما العمل بقول امرأة فكما يعمل بقول الواحد حرًّا كان أو عبدًا ذكرًا كان أو أنثى في الأخبار ، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه . وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا بأس بها في نظائر تلك الحال ، مع ذلك الاحتياط والتورّع . فإن قلت: كيف صح له أخذ الأجر على البرّ والمعروف؟ قلت: يجوز أن يكون قد فعل ذلك لوجه الله وعلى سبيل البر والمعروف . وقيل إطعام شعيب وإحسانه لا على سبيل أخذ الأجر ، ولكن على سبيل التقبل لمعروف مبتدإ . كيف وقد قص عليه قصصه وعرفه أنه من بيت النبوّة من أولاد يعقوب؟ ومثله حقيق بأن يضيَّف ويكرم خصوصًا في دار نبيّ من أنبياء الله ، وليس بمنكر أن يفعل ذلك لاضطرار الفقر والفاقة طلبًا للأجر . وقد روي ما يعضد كلا القولين: روي أنها لما قالت: ليجزيك ، كره ذلك ، ولما قدّم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهبًا ، ولا نأخذ على المعروف ثمنًا ، حتى قال شعيب: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت