فهرس الكتاب

الصفحة 2865 من 3341

يروى: أنّ غارة أتتهم يومًا فصاح العباس يا صباحاه ، فأسقطت الحوامل لشدّة صوته . وفيه يقول نابغة بني جعدة:

زَجْرَ أَبِي عُرْوَةَ السِّبَاعَ إِذَا ... أَشْفَقَ أَنْ يَخْتَلِطْنَ بِالْغَنَمِ

زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه ، وفي قراءة ابن مسعود «لا ترفعوا بأصواتكم» والباء مزيدة محذوّ بها حذر التشديد في قول الأعلم الهذلي:

رَفَعْتُ عَيْنِي بِالْحِجَا ... زِ إِلى أُنَاسٍ بِالمَنَاقِبْ

وليس المعنى في هذه القراءة أنهم نهوا عن الرفع الشديد ، تخيلًا أن يكون ما دون الشديد مسوغًا لهم ، ولكن المعنى نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة ، واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون . وعن ابن عباس:

نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، وكان في أذنه وقر ، وكان جمهوري الصوت ، فكان إذا تكلم رفع صوته ، وربما كان يكلم رسول الله A فيتأذى بصوته . وعن أنس

أن هذه الآية لما نزلت: فقد ثابت ، فتفقده رسول الله A فأخبر بشأنه ، فدعاه ، فسأله فقال: يا رسول الله ، لقد أنزلت إليك هذه الآية ، وإني رجل جهير الصوت ، فأخاف أن يكون عملي قد حبط ، فقال له رسول الله A:"لست هناك ، إنك تعيش بخير وتموت بخير ، وإنك من أهل الجنة". وأمّا ما يروى عن الحسن: أنها نزلت فيمن كان يرفع صوته من المنافقين فوق صوت رسول الله A ، فمحمله والخطاب للمؤمنين: على أن ينهى المؤمنون ليندرج المنافقون تحت النهي ، ليكون الأمر أغلظ عليهم وأشق . وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم ليظهروا قلة مبالاتهم ، فيقتدي بهم ضعفة المسلمين . وكان التشبيه في محل النصب ، أي: لا تجهروا له جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض . وفي هذا: أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقًا ، حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة ، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة ، أعني: الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم ، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوّة وجلالة مقدارها ، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها { أَن تَحْبَطَ أعمالكم } منصوب الموضع ، على أنه مفعول له ، وفي متعلقه وجهان ، أحدهما: أن يتعلق بمعنى النهي ، فيكون المعنى: انتهوا عما نهيتهم عنه لحبوط أعمالكم ، أي: لخشية حبوطها على تقدير حذف المضاف ، كقوله تعالى: { يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } [ النساء: 176 ] والثاني: أن يتعلق بنفس الفعل ، ويكون المعنى: أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط ، لأنه لما كان بصدد الأداء إلى الحبوط: جعل كأنه فعل لأجله ، وكأنه العلة والسبب في إيجاده على سبيل التمثيل ، كقوله تعالى: { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا } [ القصص: 8 ] فإن قلت: لخص الفرق بين الوجهين . قلت: تلخيصه أن يقدر الفعل في الثاني مضمومًا إليه المفعول له ، كأنهما شيء واحد ، ثم يصب النهي عليهما جميعًا صبًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت