فهرس الكتاب

الصفحة 2871 من 3341

وكلاهما مذهب سديد . والمعنى: أن فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها . أو أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها: وهي أنكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم من رأى ، واستصواب فعل المطواع لغيره التابع له فيما يرتثيه ، المحتذى على أمثلته؛ ولو فعل ذلك { لَعَنِتُّمْ } أي لوقعتم في العنت والهلاك . يقال: فلان يتعنت فلانًا ، أي: يطلب ما يؤدّيه إلى الهلاك . وقد أعنت العظم: إذا هيض بعد الجبر . وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله A الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد . وأن نظائر ذلك من الهنات كانت تفرط منهم ، وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدّهم في التقوى عن الجسارة على ذلك ، وهم الذين استثناهم بقوله تعالى: { ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الايمان } أي إلى بعضكم ، ولكنه أغنت عن ذكر البعض: صفتهم المفارقة لصفة غيرهم ، وهذا من إيجازات القرآن ولمحاته اللطيفة ، التي لا يفطن لها إلا الخواص . وعن بعض المفسرين: هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى . وقوله: { أُوْلَئِكَ هُمُ الرشدون } والخطاب لرسول الله A ، أي: أولئك المستثنون هم الراشدون يصدق ما قلته . فإن قلت: ما فائدة تقديم خبر إن على اسمها؟ قلت: القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجن الله منهم من استتباع رأي رسول الله A لارائهم ، فوجب تقديمه لانصباب الغرض إليه . فإن قلت: فلم قيل { يُطِيعُكُمْ } دون: أطاعكم؟ قلت: للدلالة على أنه كان في أرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه . وأنه كلما عنّ لهم رأى في أمر كان معمولًا عليه ، بدليل قوله: { فِى كَثِيرٍ مّنَ الامر } كقولك: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم ، تريد: أنه مما اعتاده ووجد منه مستمرًّا . فإن قلت: كيف موقع { ولكن } وشريطتها مفقودة: من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيًا وإثباتًا؟ قلت: هي مفقودة من حيث اللفظ ، حاصلة من حيث المعنى؛ لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدّم ذكرهم ، فوقعت ، لكنّ في حاق موقعها من الاستدراك . ومعنى تحبيب الله وتكريهه للطف والإمداد بالتوفيق ، وسبيله الكتابة كما سبق ، وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبي عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله؛ وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثني عليهم بفعل الله ، وقد نفى الله هذا عن الذين أنزل فيهم { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } [ آل عمران: 188 ] فإن قلت: فإنّ العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه ، وذلك فعل الله ، وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود . قلت: الذي سوّغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرواء ووسامة المنظر في الغالب ، يسفر عن مخبر مرضى وأخلاق محمودة ومن ثم قالوا: أحسن ما في الدميم وجهه ، فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته ، ولكن لدلالته على غيره ، على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به ، وقصر المدح على النعت بأمّهات الخير: وهي الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة ، وما يتشعب منها ويرجع إليها ، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل غلطًا ومخالفة عن المعقول و { الكفر } تغطية نعم الله تعالى وغمطها بالجحود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت