فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 3341

ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير الله لله ، فيكون الختم مسندًا إلى اسم الله على سبيل المجاز . وهو لغيره حقيقة . تفسير هذا: أنّ للفعل ملابسات شتى . يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له؛ فإسناده إلى الفاعل حقيقة ، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة؛ وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل ، كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته فيستعار له اسمه ، فيقال في المفعول به: عيشة راضية ، وماء دافق . وفي عكسه: سيل مفعم . وفي المصدر: شعر شاعر ، وذيل ذائل . وفي الزمان نهاره صائم . وليله قائم . وفي المكان: طريق سائر ، ونهر جار . وأهل مكة يقولون: صلى المقام . وفي المسبب: بنى الأمير المدينة ، وناقة صبوث وحلوب . وقال:

إِذَا رَدَّ عَافِي الْقِدْرِ مَنْ يَسْتَعِيرُها ... فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر؛ إلا أنّ الله سبحانه لما كان هو الذي أقدره ومكنه ، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب . ووجه رابع: وهو أنهم لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن ولا تغنى عنهم الآيات والنذر ، ولا تجدى عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة إن أعطوها . لم يبق بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلى أن يؤمنوا طوعًا واختيارًا طريق إلى إيمانهم إلا القسر والإلجاء ، وإذا لم تبق طريق إلا أن يقسرهم الله ويلجئهم ثم لم يقسرهم ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض في التكليف ، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم ، إشعارًا بأنهم الذين ترامى أمرهم في التصميم على الكفر والإصرار عليه إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء ، وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي واستشرائهم في الضلال والبغي . ووجه خامس: وهو أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكمًا بهم من قولهم: { في قُلُوبُنَا أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } [ فصلت: 5 ] ونظيره في الحكاية والتهكم قوله تعالى: { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة } [ البينة: 1 ] فإن قلت: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية فعلى أيهما يعوّل؟ قلت: عل دخولها في حكم الختم لقوله تعالى: { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة } [ الجاثية: 23 ] ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم . فإن قلت: أيّ فائدة في تكرير الجارّ في قوله: «وعلى سمعهم» ؟ قلت: لو لم يكرّر لكان انتظامًا للقلوب والأسماع في تعدية واحدة؛ وحين استجدّ للأسماع تعدية على حدة ، كان أدل على شدة الختم في الموضعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت