فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 3341

في السؤال معنى القول ، فلذلك وقع بعده { مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } كأنه قيل: يقولون لك ماذا أحلّ لهم . وإنما لم يقل: ماذا أحلّ لنا ، حكاية لما قالوه لأنّ يسألونك بلفظ الغيبة ، كما تقول أقسم زيد ليفعلنّ . ولو قيل: لأفعلنّ وأُحلّ لنا ، لكان صوابًا . و ( ماذا ) مبتدأ ، و ( أحلّ لهم ) خبره كقولك: أي شيء أحلّ لهم؟ ومعناه: ماذا أحلّ لهم من المطاعم كأنهم حين تلا عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحلّ لهم منها ، فقيل: { أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } أي ما ليس بخبيث منها ، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد . { وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح } عطف على الطيبات أي أحلّ لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف . أو تجعل ( ما ) شرطية ، وجوابها ( فكلوا ) والجوارح: الكواسب من سباع البهائم والطير ، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين . والمكلب: مؤدّب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ، ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف ، واشتقاقه من الكلب ، لأنّ التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتقّ من لفظه لكثرته من جنسه . أو لأن السبع يسمى كلبًا . ومنه قوله عليه السلام:

( 334 ) "اللَّهم سلط عليه كلبًا من كلابك"فأكله الأسد . أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة . يقال: هو كلب بكذا ، إذا كان ضاريًا به . وانتصاب { مُكَلّبِينَ } على الحال من علمتم . فإن قلت: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرًا في علمه مدرّبًا فيه ، موصوفًا بالتكليب . و { تُعَلّمُونَهُنَّ } حال ثانية أو استئناف . وفيه فائدة جليلة ، وهي أن على كلّ آخذ علمًا أن لا يأخذهُ إلا من أقتل أهله علمًا وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه ، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل ، فكم من آخذ عن غير متقن ، قد ضيع أيامه وعضّ عند لقاء النحارير أنامله { مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } من علم التكليب ، لأنه إلهام من الله ومكتسب بالعقل . أو مما عرَّفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه ، وانزجاره بزجره . وانصرافه بدعائه ، وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه . وقرىء: «مكلبين» بالتخفيف . وأفعل وفعل يشتركان كثيرًا . والإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه ، لقوله عليه السلام لعديِّ بن حاتم:

( 335 ) "وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه"وعن علي Bه: إذا أكل البازي فلا تأكل . وفرق العلماء ، فاشترطوا في سباع البهائم ترك الأكل لأنها تؤدّب بالضرب ، ولم يشترطوه في سباع الطير . ومنهم من لم يعتبر ترك الأكل أصلًا ولم يفرق بين إمساك الكل والبعض . وعن سلمان ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة Bهم: إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وذكرت اسم الله عليه فكل . فإن قلت: إلام رجع الضمير في قوله: { واذكروا اسم الله عَلَيْهِ } ؟ قلت: إمَّا أن يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته ، أو إلى ما علمتم من الجوارح . أي سموا عليه عند إرساله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت