قوله: { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ } قال بعضهم: [ وما تنزلت بكتاب الله ] يعني القرآن { وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ } أن ينزلوا به { وَمَا يَسْتَطِيعُونَ } ذلك .
قال: { إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } . وكانوا قبل أن يبعث النبي عليه السلام يستمعون أخبارًا من أخبار السماء ، وأما الوحي فلم يكونوا يقدرون على أن يسمعوه . فلما بعث النبي عليه السلام منعوا من تلك المقاعد التي كانوا يستمعون فيها إلا ما يسترق أحدهم فيرمى بالشهاب .
ذكروا عن أبي رجاء العطاردي أنه كان يقول: كنا قبل أن يبعث النبي عليه السلام ما نرى نجمًا يُرمى به . فلما كان ذات ليلة إذا النجوم قد رُمِيَ بها ، فقلنا: ما هذا الذي نرى؛ إنْ هذا إلا أمر حدث؛ فجاءنا أن النبي عليه السلام قد بُعث؛ فأنزل الله في سورة الجن: { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا } [ الجن: 9 ] .
قوله: { فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ } وقد عصمه الله من ذلك .
قوله: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَن اتَّبَعَكَ مِنَ المؤْمِنِينَ } .
قال الكلبي: إن رسول الله A خرج حتى قام على الصفا ، وقريش في المسجد ، ثم نادى: يا صباحاه ، ففزع الناس فخرجوا فقالوا: ما لك يا ابن عبد المطلب؟ فقال: يا آل غالب ، فقالوا: هذه غالب عندك . ثم نادى: يا آل لؤي ، ثم نادى: يا آل كعب ، ثم نادى: يا آل مرة ، ثم نادى: يا آل كلاب ، ثم نادى: يا آل قصي . فقالت قريش: أنذر الرجل عشيرته الأقربين . انظروا الرجل ماذا يريد . فقال أبو لهب: هذه عشيرتك قد حضروا ، فماذا تريد؟ فقال رسول الله A: « أرأيتم لو أنذرتكم جيشًا يصبّحكم أتصدقونني؟ قالوا: نعم . قال: فإني أنذركم النار ، وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبًا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله » فقال أبو لهب: تبّت يداك ، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } [ المسد: 1 ] . فتفرّقت قريش عنه وقالوا: مجنون يهذي من أم رأسه . فأنزل الله: { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ } .
ذكروا عن الحسن أن هذه الآية لما نزلت دعا رسول الله A عشيرته بطنًا بطنًا ، ثم انتهى إلى بني عبد المطلب فقال: « يا بني عبد المطلب ، إني رسول الله إليكم ، لي عملي ولكم عملكم . إني لا أملك لكم من الله شيئًا ، إنما أوليائي منكم المتقون . ألا لا أعرفنكم تأتونني تحملون الدنيا على رقابكم ويأتي الناس يحملون الآخرة » .