فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 1767

{ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } أي موجعًا . قال الحسن: يعني به العامة الذين فرض عليهم الجهاد مع النبي عليه السلام . وكان الجهاد يومئذٍ مع النبي فريضة . وقد كان النبي يخلف قومًا بالمدينة ، وفيهم من قد وضع عنه الجهاد . وكان هذا حين أمروا بغزوة تبوك [ في الصيف حين طابت الثمار واشتهوا الظل ] { وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } يقول: يهلككم بالعذاب ويستبدل قومًا غيركم { وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا } إن أهلككم { وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .

وفي هذه الآية دليل على أهل الفراق أن هؤلاء الذين وعدوا بالعذاب ممن ناداهم الله بالإِيمان ، وسماهم بما قِبَلهم من خصال الإِيمان كلما قيل المؤمنون فقال: { إِلاَّ تَنفِرُوا } أنتم الذين نودوا بالإِيمان وسموا به ، { يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } فلا يجوز لِوَاصِفٍ أن يصف الله أنه يعذبهم إن لم ينفروا كما استنفرهم وهم مؤمنون .

قال بعضهم: استنفر الله المؤمنين في شدة لَهَبَان الحرِّ في غزوة تبوك على ما يعلم من الجهد . وفيها قيل ما قيل .

قوله: { إِلاَّ تَنصُرُوهُ } يعني النبي عليه السلام { فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي من مكة { ثَانِيَ اثْنَيْنِ } أي أخرجوه ثاني اثنين { إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } .

وذلك أن قريشًا لما اجتمعوا في دار الندوة ، فتوامروا بالنبي ، أجمع رأيهم على ما قال عدو الله أبو جهل من قتله . وقد فسّرنا ذلك في سورة الأنفال .

فأوحى الله عزّ وجلّ إليه فخرج هو وأبو بكر ليلًا حتى انتهيا إلى الغار ، ونام علي على فراش رسول الله A . فطلبه المشركون ، فلم يجدوه . ووجدوا عليًا على فراشه ، فطلبوا الأثر . وقد كان أبو بكر دخل الغار قبل رسول الله A فلمس الغار ينظر ما فيه ، لئلا يكون في سبع أو حية ، يقي رسول الله A بنفسه .

ثم دخل رسول الله A الغار ، وأخذ ثمامة فوضعها على باب الغار ، فجعلا يستمعان وقع حوافر دواب المشركين في طلبهما . فجعل أبو بكر يبكي ، فقال رسول الله A: « ما يبكيك يا أبا بكر؟ » قال: أخاف أن يظهر عليك المشركون فيقتلوك يا رسول الله ، فلا يعبد الله بعدك أبدًا . فقال رسول الله A: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } .

فجعل أبو بكر يمسح الدموع عن خده . وكان أبو بكر أرق الخلق كلهم وأحضره دموعًا .

{ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } قال الحسن: السكينة: الوقار . وقال بعضهم: السكينة: الرحمة .

قال: { وَأَيَّدَهُ } أي وأعانه { بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } يعني الملائكة عند قتالهم المشركين بعد .

قال مجاهد: { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ } يقول: فالله فاعل ذلك به ، أي ناصره كما نصره إذ هو ثاني اثنين .

قال: { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى } وهي كلمة الكفر { وَكَلِمَةُ اللهِ } أي: ودين الله ، وهو الإِيمان بلا إله إلا الله والعمل بفرائضه . { هِيَ العُلْيَا } أي: هي الظاهرة { وَاللهُ عَزِيزٌ } أي في نقمته { حَكِيمٌ } أي: في أمره .

قال بعضهم: { ثَانِيَ اثْنَيْنِ } : كان صاحبَه أبو بكر ، والغار في جبل بمكة يقال له ثَوْر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت