{ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ } أي: وطنوا الدار ، يعني المدينة { وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ } يعني الأنصار . وكان إيمان الأنصار قبل أن يهاجر إليهم المهاجرون ، وكان إيمان المهاجرين قبلهم .
قال تعالى: { يُحِبُّونَ } يعني الأنصار { مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ } أي: مما أوتي المهاجرون ، أي مما آثروهم به من الطعام والشراب وغير ذلك ، في تفسير الحسن . وقال بعضهم: مما قسم للمهاجرين من [ أموال ] بني النضير .
قال تعالى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } .
ذكروا أن رجلًا من المهاجرين قام ثلاثة أيام صائمًا ، يمسي فلا يجد ما يفطر عليه ، فيصبح صائمًا حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له ثابت بن قيس فقال لأهله: إني أجيء الليلة بضيف لي . فإذا وضعتم طعامكم فليقم أحدكم إلى السراج كأنما يصلحه فليطفئه ، ثم اضربوا بأيديكم كأنكم تأكلون ، ولا تأكلوا حتى يشبع الضيف . فلما أمسى وضع أهله طعامهم . فقامت امرأته إلى السراج كأنها تصلحه فأطفأته . ثم جعلوا يضربون بأيديهم إلى الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون ، حتى شبع ضيفهم . وإنما كانت خبزة هي قوتهم . فلما أصبح ثابت غدا إلى النبي A ، فقال له النبي عليه السلام: « يا ثابت ، لقد رضي الله فعلكم البارحة بضيفكم » وأنزلت فيه: { وَيُوثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } أي: حاجة .
ذكروا أن عبد الرحمن بن عوف قدم على رسول الله A فآخى النبي بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فقال له سعد: أقاسمك مالي نصفين . وكان ذا غنى . قال: وعندي امرأتان فأيتهما أعجبتك حتى أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها . فقال له: بارك الله لك في مالك وأهلك . دلوني على السوق . فما رجع حتى استحصل أقطا كثيرًا وسمنا ، وأحسبه قال: وتمرا . فجاء به إلى منزله . فمكثا ما شاء الله . فرأى رسول الله A أثر صفرة في صدره فقال: مهيم؟ فقال: يا رسول الله ، تزوجت امرأة من الأنصار . قال: ما سقت إليها . قال: تومة من ذهب أو ورق . فقال: أولم ولو بشاة .
ذكروا أن رسول الله A أعطى من غنائم خيبر الأقرع بن حابس مائة من الإِبل ، وأعطى عيينة بن حصن بن بدر مائة من الإبل ، فقال أناس من الأنصار: يعطي النبي A غنائمنا رجالًا سيوفنا تقطر من دمائهم وسيوفهم تقطر من دمائنا . [ فبلغ ذلك A فدعا الأنصار ] فاجتمعت إليه الأنصار ، فقال النبي عليه السلام: « هل فيكم غيركم؟ قالوا: لا يا رسول الله إلا ابن أخت لنا . فقال: ابن أخت القوم منهم . ثم قال: يا معشر الأنصار ، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وبالشاء والإِبل وتذهبون أنتم بمحمد إلى دياركم؟ قالوا: بلى ، يا رسول الله ، قال: لو أخذ الناس واديا وأخذت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار . الانصار كرشي وعيبتي ، ولولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار » .