ثم يرد عليهم: { قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } . قال: فوالله ما ينبس القوم بعدها بكلمة ، وما هو إلا الزفير والشهيق ، فشبه أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق .
ذكر بعضهم أنهم يدعون - قبل أن يدعوا مالكًا - خزنة جهنم عشرين عامًا فلا تجيبهم . ثم تجيبهم: { أَوَ لَمْ تَكُ تَأتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَآءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } [ غافر: 50 ] ، ثم يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا ، ثم يجيبهم: { إِنَّكُم مَّاكِثُونَ } . ثم يدعون ربهم فيذرهم قدر عمر الدنيا مرّتين ثم يجيبهم: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } أي: اصغروا فيها . والخاسئ الصاغر . وقال بعضهم: الخاسئ الذي لا يتكلم بشيء ، ليس إلا الزفير والشهيق .
قوله: { إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي } يعني المؤمنين { يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } أي: أفضل من رحم . وقد يجعل الله الرحمة في قلوب من يشاء ، وذلك من رحمة الله ، وهو أرحم الراحمين .
ذكروا عن سلمان الفارسي قال: خلق الله مائة رحمة ، كل رحمة منها طباقها السماوات والأرض . فأنزل الله منها رحمة واحدة؛ فبها يتراحم الخلائق حتى ترحم الوالدة ولدها والبهيمة بهيمتها . فإذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسع والتسعين رحمة فكملها مائة رحمة ، ثم نصبها بينه وبين خلقه . فالمحروم من حرم تلك الرحمة .
قوله: { فَاتَّخَذتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا } يقوله لأهل النار { حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ } أي: كانوا يسخرون بأصحاب الأنبياء ويضحكون منهم . { حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي } ليس يعني أن أصحاب الأنبياء أنسوهم ذكر الله فأمروهم ألا يذكروه ، ولكن جحودهم واستهزاؤهم وضحكهم هو الذي أنساهم ذكر الله ، فأضاف ذلك إلى أصحاب النبي فقال: { حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي } أي: هم كانوا أسباب نسيانكم لذكري . كقوله: { فَأَمَّا الذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيْمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } [ التوبة: 124-125 ] فأضاف رجسهم إلى السورة لأنها كانت سبب كفرهم . وهذا من المضاف ، كقول القائل: أنساني فلان كل شيء ، وفلان غائب عنه ، بلغه عنه أمر ، فشغل ذلك قلبه . وهي كلمة عربية معروفة في اللغة .