قوله: { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ } أي اجترأوا عليه ، والمتمرد الجريء على المعاصي . { لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } أي لا تعرفهم أنت يا محمد . نحن نعرفهم .
وقد عرفهم الله رسوله وأعلمه بهم بعد ذلك ، وأسرّهم رسول الله A إلى حذيفة ابن اليمان .
ذكروا عن الحسن أنه قال: مات رجل له صحبة إلى جانب حذيفة فلم يصلِ عليه حذيفة . فأرسل إليه عمر فأغلظ له ، ويقال: يموت رجل من أصحاب النبي إلى جانبك ولا تصلي عليه . قال: يا أمير المؤمنين ، إنه من القوم . فقال له عمر: أناشدك بالله ، أنا منهم ، قال: لا ، والله لا أؤمن منها أحدًا بعدك .
وقال بعضهم: قال له عمر: يموت رجل من أصحاب النبي إلى جانبك لا تسأل عليه؟ فقال له حذيفة: لو كنت مثله ما صليتُ عليك . قال: أمنافق هو يا حذيفة؟ قال: ما كنت لأخبرك بسرّ رسول الله A . فقال عمر: أناشدك الله ، أنا منهم . قال حذيفة: اللهم لا .
وفي هذا دليل لأهل الفراق أن عمر لم يَلُم حذيفةَ على أن لا يصلي عليه ، وهو عند عمر مسلم . وفي قول عمر: يا حذيفة أناشدك الله أنا منهم ما يدل كل ذي نُهى وحِجى أن عمر لم يكن يخاف على نفسه أنه مشرك ، بل إنه خاف أن تكون له معاصِ في الإِسلام توجب عليه النفاق ، أو يكون نبي الله قد أسرَّ إلى حذيفة شيئًا من ذلك .
وأما الشرك ، فلم يكن يخافه عمر على نفسه ، ولا يظنه به .
قوله: { سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } فأما إحداهما فبالزكاة تؤخذ منهم قهرًا ، وأما الأخرى فعذاب القبر في تفسير بعضهم . { ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } يعني المنافقين . وعذاب القبر أيضًا في سورة طه [ 124 ] في قوله: { فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًَا } ذكروا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [ عن أبي هريرة ] عن النبي A ، وذكروه عن عبد الله بن مسعود ، وذكروه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هو عذاب القبر يلتئم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه . وقال بعضهم: { سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } أي: عذاب الدنيا وعذاب القبر ، { ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } ، أي جهنم .