قوله: { ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ } ثم ذكر ذلك المثل فقال: { هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ } أي: هل يشارك أحدكم مملوكه في زوجته وماله؟ { فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ } أي: تخافون لائمتهم { كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } أي: كخيفة بعضكم بعضًا ، أي: إنه ليس أحد منكم هكذا ، فأنا أحق ألا يُشرَك بعبادتي غيري ، فكيف تعبدون غيري دوني ، تشركونه في ألوهيتي وربوبيتي؟ وهو مثل قوله: { وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ } [ النحل: 71 ] قال: { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ } يعني نبيّن الآيات { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وهم المؤمنون .
قال: { بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ } أتاهم من الله بعبادة الأوثان { فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ } أي: لا أحد يهديه { وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ } .
قال: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا } أي: مخلصًا ، في تفسير الحسن . وقال الكلبي: مسلمًا { فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } أي: خلق الله الذي خلق الناس عليه ، وهو قوله: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } [ الأعراف: 172 ] .
قال بعضهم: إن أوَّل ما خلق الله القلم فقال: اكتب . فقال: ربّ ، وما أكتب؟ قال: ما هو كائن . فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة؛ قال: فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين وخميس فيجدونه على ما في الكتاب الأول . ثم أخرج الله من ظهر آدم كل نسمة هو خالقها ، فأخرجهم مثل الذر ، فقال: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا بَلَى } ثم أعادهم في صلب آدم ، ثم يكتب بعد ذلك العبد في بطن أمه شقيًا أو سعيدًا على الكتاب الأول . فمن كان في الكتاب الأول شقيًا عُمِّر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أُخذ عليه في صلب آدم فيكون شقيًا . ومن كان في الكتاب الأول سعيدًا عُمِّر حتى يجري عليه القلم فيؤمن فيصير سعيدًا . ومن مات صغيرًا من أولاد المؤمنين قبل أن يجري عليه القلم فهو مع آبائه في الجنة من ملوك أهل الجنة ، لأن الله يقول: { وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } [ الطور: 21 ] .
ذكروا عن الحسن قال: توفي ابن رجل من الأنصار فقعد في بيته . فافتقده رسول الله A ، فسأل عنه ، فقال سعد: يا رسول الله ، توفي ابنه فقعد في بيته . ثم لقي الرجلَ سعدٌ فقال: إن رسول الله ، قد ذكرك اليومَ . فأتى الرجل رسول الله A فقال: يا رسول الله ، تُوفّي ابني فقعدت في بيتي . فقال رسول الله: « أما ترضى أن تكفى مؤونته في الدنيا وألا تأتي على باب من أبواب الجنة إلا وجدته بإزائه ينتظرك؟ » .