قوله: { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } أما المشركون فليس يعطون بأعمالهم الحسنة في الآخرة شيئًا ، لأنهم قد جوزوا بها في الدنيا . وأما المؤمنون فيُوَفُّونَ حسناتهم في الآخرة ، وأما سيئات المؤمن ، فإنه يحاسب بالحسنات والسيئات؛ فإن فضلت حسناته سيئاته بحسنة واحدة ضاعفها الله ، وهو قوله: { إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } [ النساء: 40 ] ، وإن استوت حسناته وسيئاته فهو من أصحاب الأعراف يصير إلى الجنة ، وإن فضلت سيئاته حسناته فقد فسّرنا ذلك في غير هذه السورة ، قال: { وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } .
قوله: { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا } أي: زمرة زمرة ، أي: فوجًا فوجًا في تفسير الحسن . وفي تفسير الكلبي ، زمرًا: أممًا ، وكذلك أهل الجنة . { حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } .
{ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا } أي لا يخرجون منها أبدًا { فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } أي: عن عبادة الله .
{ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } .
ذكروا عن علي بن أبي طالب Bه قال: إذا توجّهوا إلى الجنة مرّوا بشجرة تجري من ساقها عينان ، فيشربون من إحداهما فتجري عليهم بنضرة النعيم ، فلا تتغيّر أبشارهم ، ولا تشعث أشعارهم بعدها أبدًا ، ثم يشربون من الأخرى ، فيخرج ما في بطونهم من أذى وقذى ، ثم تستقبلهم الملائكة خزنة الجنة ، فيقولون لهم: { سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } ، ثم تتلقاهم الولدان ، فيعرف الولدان من قد جعلهم الله له ، يبشون لهم ويفرحون بهم كما يفرح الحبيب بالحبيب ، أو كما يفعل الولدان بالحميم إذا جاءه من غيبة . لم يذهب أحدهم حتى يأتي أزواجَه ، أزواجَ الرجل ، فيبشرهن ويقول: قد جاء فلان فيسميه باسمه ، فيقلن: أنت رأيته ، فيقول: نعم ، فيسبقها الفرح حتى تقوم على أسكفّة بابها تنتظره . فيجيء فيدخل بيتًا أسفله على جندل اللؤلؤ وجندل الحصا وحيطانه من كل لون ، فينظر إلى سقفه ، فلولا أن الله قدر له ألاَّ يذهب بصره لذهب؛ فإذا { سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } [ الغاشية: 13-16 ] فيقول: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلآ أَنْ هَدَانَا اللهُ } [ الأعراف: 43 ] . . . . إلى أخر الآية .
وتفسير الحسن في قوله: { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } . ويفاضل ما بينهم كمثل كوكب بالمشرق وكوكب بالمغرب . وقال بعضهم: يحبس أهل الجنة حتى يؤخذ بعضهم من بعض ضغائن كانت بينهم ، ثم يدخلون الجنة .
وقال مجاهد: ( طِبْتُمْ ) أي: طبتم بطاعة الله .