تفسير سورة الحشر وهي مدنية كلها .
{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قوله: { سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } . تفسير الحسن قال: العزيز: بعزته ذلّ من دونه . وقال بعضهم: العزيز في نقمته ، الحكيم بأمره .
قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ } تفسير الحسن: إن رسول الله A لَمَا أَجلى بني النَضير إلى الشَام قال: « هذا أول الحشر ، ونحن على الأثر إن شاء الله » يعني أمته الذين تقوم عليهم الساعة بالشام .
وبعضهم يقول: يبعث الله النار قبل أن تقوم الساعة تطرد الناس إلى الشام ، تنزل معهم إذا نزلوا ، وترحل معهم إذا ارتحلوا . تطردهم إلى الشام ، ثم تقوم عليهم الساعة بالشام .
وبعضهم يقول: كان بنو النضير أولَ من أخرج رسول الله A من اليهود .
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله A: « لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا » فَقُبض قبل أن يفعل .
ذكروا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام أنه أمر أن يُخرج اليهود من جزيرة العرب .
قوله تعالى: { مَا ظََنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ } أي: ما ظننتم أن يحكم الله بأن يُجلوا إلى الشام . { وَظَنُّواْ } أي اليهود ، يعني بني النضير { أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } أي: لم يكونوا يحتسبون أن يخرجوا من ديَارهم ومن حصونهم .
قال تعالى: { وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ } أي: يخربونها من داخل ، يقولون: لا نتركها للمؤمنين . قال تعالى: { وَأَيْدِي الْمُؤمِنِينَ } أي: يخربها المؤمنون من خارج في تفسير الحسن .
وقال الكلبي: لما أمر رسول الله A بالسير إلى بني النضير درّبوا الأزقة وحصّنوا الدور ، فأتاهم رسول الله A فقاتلهم إحدى وعشرين ليلة؛ كلما ظهر على دار من دورهم أو درب من دروبهم هدمه ليتسع المُقَاتَل وجعلوا ينقبون دورهم من أدبارها إلى الدار التي تليها ويرمون أصحاب رسول الله A بنقضها ، فلما يئسوا من نصر المنافقين ، وذلك أن المنافقين كانوا واعدوهم إن قاتلهم النبي عليه السلام أن ينصروهم ، فلما يئسوا من نصرهم سألوا نبي الله عليه السلام الصلح . فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة . فصالحوه على أن يجليهم إلى الشام على أن لهم أن يحملوا . كل ثلاثة منهم ، على بعير واحد ، ما شاءوا من طعام وسقاء ، ولنبيِّ الله وأصحابه ما فضل؛ ففعلوا .
ذكروا أن رسول الله A دعاهم إلى الصلح فأبوا . فلما رآهم لا ينزلون من حصونهم أمر بنخلهم فعُقِرت . فعقر يومئذ من صنوف التمر غير العجوة . فلما رأوا أنه قد ذهب بعيشهم هبطوا إلى الصلح على أن يجليهم رسول الله A إلى الشام ، وشارطهم على أن لهم ما حمل الظهر ، سوى الحلقة والكراع . وزعم بعضهم أن الحلقة الدروع والسلاح كله . فاحتملوا شروطهم حتى إنهم لينقضون سقوفهم . وفيهم أنزل الله: { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ } .
قال تعالى: { فَاعْتَبِرُواْ } أي تفكّروا واعرفوا الحق { يَآ أُولِي الأَبْصَارِ } أي: يا أهل العقول . يعني المؤمنين .