قوله تعالى: { يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الأَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } يعني الجنة .
ذكر مسروق عن عائشة قالت: خَيَّرَنا رسول الله A فاخترناه ، فلم يكن ذلك طلاقًا . وقال بعض المفسّرين: إنما خيّرهن بين الدنيا والآخرة ولم يخيّرهن الطلاق .
وكان علي بن أبي طالب يجعل الخيار إذا اختارت المرأة نفسَها إذا خيّرها الرجلُ تطليقةً بائنة . وقال بعضهم: أحسبه قال ذلك من هذه الآية في قوله: { أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } . وقال في هذه السورة بعد هذا الموضع: { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } [ الأحزاب: 49 ] . فإذا طلّقها قبل أن يدخل بها تطليقة فإنها تبين منه بها ، وهي أملك بنفسها ، وهو خاطب ، وإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين .
وقال في سورة البقرة: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } [ البقرة: 231 ] ، وهذا عند انقضاء العدة قبل أن تنقضي ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة إذا كانت ممن تحيض ، فإن كانت ممن لا تحيض وليست بحامل فما لم تنقض ثلاثة أشهر ، وإن كانت حاملًا فما لم تضع حملها ، فإن كان في بطنها اثنان أو ثلاثة فما لم تضع الآخِر ، فهو يراجعها قبل ذلك إن شاء . فإن انقضت العدة ولم يراجعها فهي تطليقة بائنة . قال: { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } [ البقرة: 231 ] . والتسريح في كتاب الله واحدة بائنة .
وكان زيد بن ثابت يقول: إن اختارت نفسها فثلاث .
وكان ابن عمر وعبد الله بن مسعود يقولان: واحدة ، وهو أحقُّ بها . فإن اختارته فلا شيء لها؛ فكأنهما يقولان: إنما الخيار في طلاق السنة على الواحدة ، ولا ينبغي أن يطلق ثلاثًا ثلاثًا جميعًا ، فإنما خيّرها على وجه ما ينبغي أن يطلقها . وأما إذا قال: أمرك بيدك ، ففي قولهما إنها إذا طلقت نفسها ثلاثًا فهي واحدة على هذا الكلام الأول .
وكان علي ورجال معه من أصحاب النبي A يقولون: القول ما قالت . غير أن ابن عمر قال: إلا أن يقول: إنما ملّكتها في واحدة ، فيحلف على ذلك ، ويكون قضاؤها في واحدة . وبه نأخذ ، وعليه نعتمد .