قوله: { فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } يعني المنافقين . فليضحكوا قليلًا في الدنيا ، أي: إلى موتهم ، وليبكوا كثيرًا ، أي في النار إذا صاروا إليها .
ذكروا عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن أهل النار ليبكون الدموع ، حتى لو أن السفن أرسلت في دموعهم لجَرَت ، ثم يبكون بعد ذلك الدم .
ثم قال للنبي عليه السلام: { فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ } أي: من غزوة تبوكَ { إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ } أي من المنافقين { فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ } معك { فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } فبذلك كفرتم ، وبذلك نُهِيتُ أن أستصبحكم { فَاقْعُدُوا مَعَ الخَالِفِينَ } . أي مع النساء في تفسير الحسن . وفي تفسير الكلبي: مع الأشرار . ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا قيل فيهم ما قيل .
قوله: { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } ثم أخبره لم ذاك وبم هو ، فقال: { إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ } أي: خالفوا الله وخالفوا رسوله { وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } وهو فسق النفاق .
قال بعضهم: بلغنا أنه عبد الله بن أبي بن سلول؛ لما مات جاء ابنه إلى النبي A فقال: يا رسول الله ، أعطني قميصك أكفّنه فيه . فأعطاه رسول الله A قميصه فكفنه فيه ، وصلّى عليه النبي . فأنزل الله: { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } ثم أخبره لم ذاك وبم هو فقال: { إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ } أي خالفوا الله وخالفوا رسوله { وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } .
وقال بعضهم: ذكر لنا أنه مات منافق فكفنه رسول الله في قميصه وصلى عليه ودلاَّه في قبره . فأنزل الله هذه الآية . فذكر لنا أن النبي A قال: « وما يغني عنه قميصي من عذاب الله . والله إني لأرجو أن يسلم به ألف من قومه »
وقال بعضهم: إن رسول الله تقدم ليصلِّيَ عليه ، فأخذ جبريل بثوبه فقال: والله لا تصل على أحد منهم مات أبدًا . . إلى آخر الآية .
وفي هذا دليل على أهل الفراق أن لو كانوا مشركين كما قالوا ما صلّى عليهم رسول الله ، ولا وقف على قبورهم ، ولا كفنهم في ثيابه ، ولا دلاّهم في قبورهم بعد قول الله: { إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [ التوبة: 28 ] ، وبعد قوله: { مَا كَانَ لِلنَّبيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ } [ التوبة: 113 ] .