قوله: { شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ } . فيها تقديم وتأخير . يقول: شهد الله أنه لا إله إلا هو قائمًا بالقسط ، أي بالعدل ، وشهد الملائكة وشهد أولو العلم ، وهم المؤمنون . { لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ } العزيز في ملكه ، بعزته ذلّ من دونه . وبعضهم يقول: العزيز في نقمته ، الحكيم في أمره .
قوله: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ } هو كقوله: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } [ آل عمران: 85 ] . قال: { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ } وكانوا على الإِسلام { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا } أي حسدًا { بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ } من بعدما جاءته ، أي جاءهم ما عرفوا فكفروا به . { فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ } يعني عذابه؛ إذا أراد أن يعذبهم لم يؤخرهم عن ذلك الوقت؛ هذا في تفسير الحسن . وقال مجاهد: يعني إحصاءه عليهم .
قوله: { فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ } أي: أخلصت { وَجْهِيَ } أي ديني { لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ } أي من اتبعني أسلم وجهه لله . { وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ } يعني مشركي العرب ، وكانت هذه الأمة أمية ليس لها كتاب من السماء تقرأه ، حتى أنزل الله القرآن . { ءَأَسْلَمْتُمْ } يقول: أأخلصتم لله ، أي أقررتم وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة؟ على الاستفهام . قال: { فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا } عن ذلك { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ } أي في الحجة تقيمها عليهم . { وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } أي بأعمال العباد ، بصير بهم .
قوله: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ } يعني بدين الله في تفسير الحسن . وقال بعضهم يقول: بالقرآن . { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ } أي بالعدل { مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي موجع .
ذكر بعض المفسّرين قال: ذكر لنا أن عيسى لما رفع انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم فقالوا للأول: ما تقول في أمر عيسى . فقال: هو الله ، هبط إلى الارض ، فخلق ما خلق ، وأحيى ما أحيى ، ثم صعد إلى السماء؛ فتابعه على ذلك أناس من الناس ، فكانت اليعقوبية من النصارى . فقال الثلاثة الآخرون: نشهد إنك كاذب . فقالوا للثاني: ما تقول في أمر عيسى؟ قال: هو ابن الله؛ فتابعه على ذلك أناس من الناس ، فكانت النسطورية من النصارى؛ فقال الاثنان: نشهد إنك كاذب . فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو إله وأمه إله ، والله إله . فتابعه على ذلك أناس من الناس . فكانت الإِسرائيلية من النصارى؛ فقال الرابع: أشهد إنك كاذب ، ولكنه عبد الله ورسوله ، ومن كلمة الله وروحه ، فاختصم القوم ، فقال المسلم: أناشدكم الله ، هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام . فقالوا: اللهم نعم . قال: فهل تعلمون أن عيسى كان ينام والله لا ينام؟ قالوا: اللهم نعم . فخصمهم المسلم فاقتتل القوم . وذكروا لنا أن اليعقوبية ظفرت يومئذ ، وأصيب المسلمون ، فأنزل الله: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بَعَذَابٍ أَلِيمٍ } .