قوله: { فَإِن طَلَّقَهَا } أي الثالثة { فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } . ذكر بعضهم أن تميمه بنت عبيد بن وهب القرظية كانت تحت رفاعة القرظي فطلقها ثلاثًا . فخلف عليها عبد الرحمن بن الزبير ، ثم طلقها . فأتت النبي عليه السلام فسألته: هل ترجع إلى زوجها . فقال: هل غشيك؟ فقالت: ما كان ما عنده بأغنى عنه من هدبة ثوبي ، فقال رسول الله A: « لا ، حتى تذوقي عسيلة غيره » فقالت: يا رسول الله ، قد غشيني ، فقال: « اللهم إن كانت كاذبة فاحرمها إياه » فأتت أبا بكر بعده فلم يرخص لها . ثم أتت عمر فلم يرخص لها .
قوله: { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا } [ أي إن أيقنا ] { أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ } . قال ابن عباس والحسن: يعني المختلعة . رجع إلى قصتهما . قال: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ } . قال: هذه الآية مثل قوله في الآية الأولى: { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ } .
وتفسير قول الحسن: إن أخذه الفداء تطليقة بائنة؛ يعني بقوله: { فَإِن طَلَّقَهَا } أي فإن خالعها؛ وهو قول العامة في الخلع .
وكان ابن عباس لا يرى الخلع طلاقًا ، يراها تحرم عليه بدون طلاق؛ ويقول: قال الله: { فَإِن طَلَّقَهَا } يقول: طلقها طلاقًا ، ويذكر أن النبي عليه السلام قال لثابت بن قيس: « شاطرها الصداق وطلقها » والعامة على قول الحسن: إن الفداء طلاق ويذكر عن النبي وعن عثمان بن عفان .
وبعضهم يفسّرها: { فَإِن طَلَّقَهَا } يعني الزوج الآخر { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } على المرأة والزوج الأول الذي طلقها ثلاثًا أن يتراجعا إن أحبا . وفي تفسيرهم: فإن طلقها ، أو مات عنها ، فلا جناح عليهما أن يتراجعا .
قال: { وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .
قوله: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة إن كانت ممن تحيض في قول أهل العراق ، وفي قول أهل المدينة إذا رأت الدم . وقد فسّرناه قبل هذا الموضع . وإن كانت ممن لا تحيض فما لم تنقض الثلاثة أشهر ، وإن كانت حاملًا فما لم تضع حملها .
وأما قوله: { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } فإن العدة إِذا انقضت قبل أن يراجعها زوجها فهو التسريح .
قوله: { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } كان الرجل يطلق امرأته ثم يدعها حتى إذا كان عند انقضاء عدتها راجعها ولا حاجة له فيها ، ثم يطلقها؛ فإذا كان عند انقضاء عدتها راجعها . ثم يطلقها ، يكون ذلك لتسعة أشهر ليطوّل عليها بذلك ، فنهى الله عن ذلك .