{ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ } أي ابْتَلَيْنَاهُ { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا } والركوع ها هنا هو السجود { وَأَنَابَ } أي: وأقبل إلى الله بالتوبة والدعاء .
وتفسير الحسن أن داوود جمع عُبّاد بني إسرائيل فقال: ايكم كان يمتنع من الشيطان يومًا لو وكله الله إلى نفسه؟ فقالوا: لا أحد إلا أنبياء الله . قال: فكأنه خطر في الوهم شيء .
قال: فبينما هو في المحراب في يوم صلاته ، والحرس حوله والجنود ، فبينما هو يصلي ، إذا هو بطير حسن قد وقع في شرفة من شرفات المحراب . قال بعضهم: حمامة من ذهب ، وبعضهم يقول: طير جؤجؤه من ذهب ، وجناحاه ديباج ، ورأسه ياقوتة حمراء ، فأعجبه . وكان له بُنيٌّ يحبه . فلما أعجبه حسنه وقع في نفسه أن يأخذه فيعطيه ابنه .
قال الحسن: فانصرف إليه فجعل يطير من شرفة إلى شرفة ولا يؤيسه من نفسه حتى ظهر فوق المحراب . وخلف المحراب حائط تغتسل فيه النساء الحُيَّض إذا طهرن ، لا يشرف على ذلك الحائط إلا من صعد على المحراب ، والمحراب لا يصعده أحد من الناس .
فصعد داوود خلف ذلك الطير ففاجأته امرأة جاره ، لم يعرفها ، تغتسل . فرآها فجأة ، ثم غضّ بصره عنها ، فأعجبته . فأتى بابها فسأل عنها وعن زوجها؛ فقالوا: إن زوجها في أجناد داوود . فلم يلبث إلا قليلًا حتى بعثه عامله بريدًا إلى داوود . وأتى داوودَ بكتبه . ثم انطلق إلى أهله ، فأُخبِر أن نبي الله داوود أتى إلى بابه فسأل عنه وعن أهله . فلم يصل الرجل إلى أهله حتى رجع إِلى داوود ، مخافة أن يكون حدث في أهله من الله أمر . فأتى داوودَ وقد فرغ من كتبه . وكتب إلى عامل ذلك الجند أن يجعله على مقدمة القوم . فأراد أن يقتل الرجل شهيدًا ويتزوج امرأته حلالًا . إلا أن النية كانت مدخولة . فجعله على مقدمة القوم فقُتِل الرجل شهيدًا .
قال فبينما داوود في محرابه والحرس حوله إذ تسوّر عليه المحراب ملكان في صورة آدميين ففزع ، فقالا: { لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضِ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا } أي وأرشدنا { إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ } أي: إلى قصد الطريق .
قال: قُصَّا قضيتكما . فقال أحدهما . { إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ: أَكْفِلْنِيهَا } أي: ضُمَّها إِلي { وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ } أي: وقهرني في الخصومة . { قَالَ لَقَد ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ } . . . إلى قوله: { وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ } أي وعلم داوود أنما ابتليناه { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا } أي ساجدًا أربعين يومًا لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة يقيمها ، أو لحاجة لا بد منها ، أو لطعام يَتَبَلَّغ به . فأتاه ملك من عند الله فقال: يا داوود ، ارفع رأسك فقد غفر الله لك . فعلم أن الله قد غفر له . ثم اراد أن يعرف كيف غفر الله مثل ذلك الذنب ، فقال: يا ربّ ، كيف تغفر لي وقد قتلتُه ، يعني بالنية . فقال له ربه: استوهبُه نَفْسَه فيهبها لي فاغفرها لك . فقال: أي ربّ ، قد علمت أنك قد غفرت لي .