قال الله: { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } وهم المنافقون ، وهم المرضى ، والمرجفون في المدينة ، وكل هؤلاء منافقون . وصنّف كل صنف منهم بعَلَمه ، وهم منافقون جميعًا ، وهو كلام مثنى: { مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا } .
وذلك أنه لما أنزل الله في سورة البقرة: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ } [ البقرة: 214 ] . فوعد الله المؤمنين أن ينصرهم كما نصر من قبلهم بعد أن يُزَلزَلوا ، وهي الشدّة ، وأن يحرَّكوا بالخوف ، كما قال النبيُّون ، حيث يقول الله: { حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ } قَالَ الله: { أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ } ؛ فقال المنافقون: وعدنا الله النصر [ فَلاَ ترانا ننصَر ] وأرانَا نُقتَل ونُهزَم .
ولم يكن فيما وعدهم الله ألا يقتل منهم أحد ، ولا يهزموا في بعض الأحايين . قال في آية أخرى: { وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } [ آل عمران: 140 ] وإنما وعدهم الله النصر في العقابة وطوى عنهم القتل والهزيمة ، فذلك معنى قولهم: { مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا } . وتأويل الغرور ها هنا هو الخديعة ، يقولون: خدعنا الله ، أي: أعلمنا بالعاقبة أنه سينصرنا وطوى عنا ما قبل ذلك مما يصيبنا من الشدائد والقتل والهزيمة . والغرور عند العرب هو الخديعة . قالوا: خدعنا الله ، وقد وصفوا الله بالخديعة لهم ، ولعمري قد خدعهم ، وهو قوله: { إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء: 142 ] . وتفسير مخادعة الله إياهم في سورة الحديد . وسنفسّره إن شاء الله .