قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ } وهم المنافقون وَادُّوا المشركين وناصحوهم فأدّوا إليهم أخبار المؤمنين وأسرارهم . قال: { مَّا هُم مِّنكُمْ } يقوله للمؤمنين: ما هم منكم أي ليسوا من المؤمنين في الاسم والثواب [ ما هم منكم في باطن أمرهم ، إنما يظهرون لكم الإيمان وليس في قلوبهم ] { وَلاَ مِنْهُمْ } يعني من المشركين [ في ظاهر أمرهم لأنهم يظهرون لكم الإِيمان ويسرون معهم الشرك ] . ليسوا من المشركين في الحكم والسيرة . كقوله تعالى: { مُّذَبْذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لآ إِلَى هَؤُلآءِ وَلآ إِلَى هَؤُلآءِ } [ النساء: 143 ] . قال: { وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أي وهم يعلمون أنهم كاذبون فيما حلفوا عليه ، أي أنهم منكم وليسوا منكم . كقوله تعالى: { يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلاَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } [ التوبة: 56 ] .
قال D: { أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ } أي: حلفهم { جُنَّةً } وهو كقوله: { إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المْنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [ المنافقون: 1 ] .
وذلك أنهم قالوا لرسول الله A: إنا إذا أتينا المشركين شهدنا إنك لرسول الله ، فكذبهم الله في الذي قالوا لرسول الله A . فقال D: { إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ } أي: إنا شهدنا بذلك عند المشركين . قال D: { وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المْنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } أي فيما ذكروا لك أنهم يشهدون عند المشركين إنك لرسوله . وكانوا يحلفون للنبي وللمؤمنين ليصدقوهم ، فقال: { اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ } أي حلفهم لك { جُنَّةً } اجتنوا بها منكم ، وأسروا نفاقهم ولم يظهروه . لكي لا يقتلوا [ ولا تسبى ذريتهم ولا تؤخذ أموالهم ] ، إذا أظهروا نفاقهم لأنهم يعلمون أن الحكم فيهم إذا أظهروا نفاقهم القتل . كقوله تعالى: { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلًا . سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } [ الأحزاب: 60 ] أي: هكذا سنة الله في منافقي كل أمة خلت من قبل: القتل إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم . وكذلك سنته في منافقي أمتك إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم .
قال تعالى: { فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ } أي: عن الإسلام ، كانوا يصدون عنه قال: { فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينُ } أي: من الهوان في عذاب جهنم .