قال الله: { فَغَفَرْنَا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لزُلْفَى } أي: لقربى في المنزلة { وَحُسْنَ مَآبٍ } أي: حسن مرجع .
قال الكلبي: إن داوود قال: رب اتخذت إبراهيم خليلًا ، وكلمت موسى تكليمًا ، فوددت أنك أعطيتني من ذلك ما أعطيتهم . قال الله: إني ابتليتهما بما لم ابتلك به . قال: فإن شئت أبتليك بما ابتليتهما وأعطيك مثل ما أعطيتهما . قال: رب ، نعم . قال: اعمل عملك حتى يتبيّن بلاؤك . فمكث ما شاء الله بذلك؛ يصوم النهار ويقوم الليل . فكان على ذلك .
فبينما هو في المحراب ذات يوم ، والزبور بين يديه ، إذ جاء طائر فوقع قريبًا منه . فتناوله داوود ، فطار إلى الكوى ، فقام ليأخذه قال بعضهم: فوقع في مضجعه فقام ليأخذه ، فوقع الطير إلى البستان ، فأشرف داوود فنظر ، فإذا هو بامرأة تغتسل في البستان . فعجب من حسنها . فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطاها . فزاده ذلك عجبًا بها . ثم أرسل غلامًا له فقال: اتبع هذه المرأة فاعلم من هي ، أو ابنة من هي ، وهل لها زوج . فاتبعها الغلام حتى عرفها فرجع فقال: هي ابنة فلان ، وزوجها فلان ، وكان يومئذ مع ابن أخت داوود في بعث . فكتب داوود إلى ابن أخته: أن ابعث فلانًا [ واجعله بين يدي التابوت ] فلا يرجع حتى يفتح المدينة أو يقتل . فبعثه فقتل . فلما انقضت عدة المرأة أرسل إليها فتزوجها ، وهي أم سليمان بن داوود .
فلما علم الله ما وقع في عبده أحب أن يستنقذه فأرسل إليه ملكين فأتياه في المحراب ، والحرس حول المحراب ، وهم ثلاثة وثلاثون ألفًا . فرأى داوود الرجلين قد تسوّروا المحراب ، ففزع منهما وقال: لقد ضعف سلطاني حتى إن الناس تسوّروا محرابي . فقال أحدهما: { لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } . . . إلى قوله: { وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ } . تفسير هذا المقرإ عند الكلبي: إن دعا دعوة يكون أكثر نداء مني ، وإن بطش بطشه يكون اشد بطشًا مني . فقال له داوود: { لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ } . . . إِلى: { وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } . فنظر أحدهما لصاحبه فضحكا ، وعلما أن داوود لم يفطن ، فرجعا من حيث أقبلا .
قال الله: { وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } . . . إلى آخر الآية . فسجد داوود أربعين يومًا وأربعين ليلة لا يأكل ولا يشرب ، ولا يرفع رأسه ، ولا يقوم ، ولا يفتر من الدعاء . فتاب الله عليه . قال الله: { فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } . وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع .