قوله: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ } .
ذكر بعضهم قال: كان أنزل في سورة بني إسرائيل: { وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإِسراء: 23-24 ] ؛ ثم أنزل الله في هذه السورة: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى . . . } الآية؛ فلا ينبغي [ للمسلم ] إذا كان أبواه مشركين أن يستغفر لهما ، ولا يقل: ربّ ارحمهما؛ وكذلك إذا كانا منافقين .
قال الحسن: { مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ } أي: ما توا على الكفر والنِّفاق . وقال بعضهم: كان يقال: ليقل: اللهم اهده ، ولا يقل: اللهم اغفر له .
قوله: { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } .
في تفسير ابن عباس والحسن: فلما مات تبيّن له أنه عدوٌّ لله . وكان إبراهيم يرجوه ما كان حيًّا ، فلما مات تبيّن له أنه عدوّ لله ، لأنه مات على الكفر .
وقال الكلبي: إن النبي عليه السلام سأل: أيّ قرابته أحدث به عهدًا ، فقيل: أمك . فأراد أن يستغفر لها ، وقال استغفر إبراهيم لأبويه ، وهما مشركان . فلما همّ أن يستغفر لأمه جاءه جبريل وقال: { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } . يقول: فلما مات علم أنه لا توبة له ، فتبرأ منه .
وقال بعضهم: ذكر لنا أن رجلًا قال لنبي الله عليه السلام: إن من آبائنا من كان يُحسِن الجوار ، ويصل الأرحام ، ويفي بالذِّمم ، أفلا نستغفر لهم . قال: « بلى ، فوالله إني لأستغفر لهم ، يعني والديه ، كما استغفر إبراهيم لوالديه » فأنزل الله هذه الآية: { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } . وقال في قوله: { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ } أي: لما مات على شركه { تَبَرَّأَ مِنْهُ } .
قوله: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } قال بعضهم: الأوّاه: الرحيم . ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الأوّاه: الرحيم . وبعضهم يقول: هو الدَّعَّاء . [ وقال ابن عباس: الأوَّاه: الموقن ] .
قوله: { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
بلغنا أن أناسًا من أصحاب النبي عليه السلام ماتوا قبل أن تفرض الفرائض أو بعضها ، فقال قوم من أصحاب النبي: مات إخواننا قبل أن تفرض هذه الفرائض ، فما منزلتهم ، وقد كانوا مؤمنين بما فرض عليهم يومئذٍ ، فأنزل الله هذه الآية ، فأخبر أنهم ماتوا على الإِيمان .