قوله: { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ } وهم مشركو العرب في تفسير الحسن . وقال مجاهد: هم اليهود . { مَا ولاهم } أي: ما حوَّلهم في تفسير الحسن . وقال مجاهد: ما صرفهم؛ وهو واحد . { عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } يعني بيت المقدس .
نزلت هذه الآية بعدما صُرِف النبيُّ عليه السلام إلى الكعبة . وهي قبلها في التأليف ، وهي بعدها في التنزيل . وذلك أن رسول الله A ، لما حوله الله إلى الكعبة من بيت المقدس ، قال المشركون: يا محمد ، أرغبت عن قبلة آبائك ثم رجعت إليها؟ وأَيْضًا والله لترجعن إلى دينهم؛ فأنزل الله: { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } يعني بيت المقدس .
قال: { قُل لِّلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } . أي: مستقيم إلى الجنة ، وهو الإِسلام .
قوله: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أي: عدلًا [ يعني أمة محمد ] { لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } أي يوم القيامة بأن الرسل قد بلغت قومها عن ربها { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } على أنه قد بلغ رسالة ربه إلى أمته .
قوله: { وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا } يعني بيت المقدس { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } أي: إلا ليكون ما علمنا كما علمنا . وهو علم الفعال . { مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } يعني صرف القبلة { إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ } يعني تحوّلهم عن بيت المقدس؛ لأن العرب لم تكن قبلة أحب إليها من الكعبة . فقال: { وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } ، أي: لعظيمة ، { إلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ } .
قال بعض المفسرين: كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص؛ صلَّى رسول الله A إقامته بمكة إلى بيت المقدس ، وصلّت الأنصار إلى بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي عليه السلام المدينة . وصلى النبي بعد قدومه المدينة نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا . ثم وجَّهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام ، فقال قائلون: { مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } ؛ لقد اشتاق الرجل إلى مولده .
وقال أناس لما صُرِفت القبلة: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل من قبل في قبلتنا الأولى ، فأنزل الله: { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } . وقد يبتلي الله العباد بما يشاء من أمره ، الأمر بعد الأمر ، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه . وكل ذلك مقبول إذا كان في إيمان بالله وإخلاص له وتسليم لقضائه .
قوله: { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } قال الحسن: محفوظ لكم إيمانكم عند الله حيث أقررتم بالصلاة إلى بيت المقدس إذ فرضها عليكم . وقال بعضهم: عن الحسن وعن جماعة من المفسرين: { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } أي: صلاتكم التي كنتم تصلّون إلى بيت المقدس . وهذا حقيقة التأويل . { إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } .