قوله: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ } . قال الحسن: يعني المشركين بعد الماضين ، فجعلناكم خلائف بعدهم . { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ } أي: أقلكم الشاكرون ، يعني أقلكم المؤمنون ، أي أقلكم من يؤمن .
قوله: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } أي الخلق الأول: آدم من طين ، ونسله بعده من نطفة { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ } أي: بعد خلق آدم ، قبل خلقكم من النطف { اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ } .
قال بعضهم: خلق الله آدم من طين ، ثم صوّرناكم في بطون أمهاتكم . وقال مجاهد: ثم صورناكم في ظهر آدم .
وقال الكلبي: خلقناكم من نطفة ، ثم علقة ثم مضغة ثم عظمًا ثم لحمًا ، ثم صورناكم ، أي العينين والأنف والأذنين واليدين والرجلين صورًا نحوا من هذا . ثم جعل حسنًا وقبيحًا ، وجسيمًا وقصيرًا وأشباه ذلك . ثم رجع إلى قصة آدم عليه السلام فقال: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال بعضهم: كانت الطاعة لله والسجود لآدم .
قوله: { إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ } . وقال في آية أخرى: { فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ } [ الكهف: 50 ] . ذكروا عن ابن عباس أنه قال: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود . وقال بعضهم: كان من الجن وهم جنس من الملائكة يقال لهم الجن . وقال بعضهم: جن عن طاعة ربّه .
وقال الحسن: إن إبليس ليس من الملائكة وإنه من نار السّموم ، وإن الملائكة خلقوا من نور الله ، وإن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم وأمر إبليس أيضًا بالسجود له ، فجمع المأمورين جميعًا .
قوله: { قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ . قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } يعني في السماء { فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ . قَالَ أَنظِرْنِي } أي أخِّرني { إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ } وقال في آية أخرى: { إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } [ سورة ص: 81 ] أي إلى النفخة الأولى . وأما قوله ها هنا: { إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ } ففيها إضمار: إلى يوم الوقت المعلوم .
{ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي } أي: فبما أضللتني . وقال الحسن: فبما لعنتني { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ } أي: فأصدّهم عنه .
ذكروا عن الحسن قال: ليس من هذا الخلق شيء إلا وقد توجه حيث وجه . ولولا أن ابن آدم قعد له على الطريق ، أي الشيطان ، فيخبل له حتى عدله ، مضى كما مضى سائر الخلق . يعني أن بني آدم ابتلوا بما لم يُبتل به غيرهم من الخلق .