قوله: { وَاسْتَفْتَحُوا } يعني الرسل كلهم في تفسير مجاهد؛ دعوا على قومهم فاستجاب لهم .
وفي تفسير الكلبي: لما دعا عليهم الرسل قال قومهم: اللهم إن كان رسلنا صادقين فيما يقولون فأهلكنا ، وإن كانوا كاذبين فأهلكهم .
قال بعضهم: استنصرت الرسل على قومها حين استيقنوا أنهم لا يؤمنون .
قال الله: { وَخَابَ } أي: وخسر { كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } وهو المشرك . قال مجاهد: معاند للحق مجتنبه .
قوله: { مِّن وَرَائِهِ } أي: من بعد هذا العذاب الذي كان في الدنيا { جَهَنَّمُ } أي: عذاب جهنم . { وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ } والصديد غسالة أهل النار ، أي: ما يسيل من جلودهم من القيح والدم . وقال بعضهم: هو ما يسيل من بين جلده ولحمه .
{ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } أي: من كراهيته له؛ وهو يسيغه ، لا بد له منه ، فتتقطع أمعاؤه . { وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ } وهي النار لشدة ما هم فيه ، ولكن الله عزّ وجلّ قضى عليهم ألا يموتوا . هذا تفسير الحسن . وبعضهم يقول: حيات وعقارب تنهشه من كل ناحية . { وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } كقوله: { فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا } [ النبأ: 30 ] .
ذكروا أن رجلًا من أصحاب النبي عليه السلام قال: لما ذكر الله النار قلت: ابن آدم ضعيف ، فإنما تكفيه لذعة من النار حتى يقضي . ثم أنزل الله: { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ } و { لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى } [ سورة طَهَ: 74 ] فقلت: الآن حين أخذ الله نقمته من أعدائه .
ذكروا عن عبدالله بن مسعود قال: غلظ جلد الكافر سبعون ذراعًا ، وضرسه مثل أُحُد ، وفخذه مسيرة يومين ، وزاد فيه بعضهم عن ابن مسعود: وإني لأظنه يشغل من جهنم مثل ما بيني وبين المدينة . وبلغنا عن بعضهم قال: أهل النار يعظمون لها ولولا ذلك لألهبتهم كما تلهب الذبّان .