فهرس الكتاب

الصفحة 703 من 1767

تفسير سورة الحجر ،

وهي مكية كلها

{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قوله: { الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ } . قد فسّرناه في غير هذا الموضع .

قوله: { رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ } هو كقوله: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } [ المؤمنون: 99-100 ] وكقوله: { يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ ولاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ } [ الأَنعام: 27 ] وكقوله: { يَا ياَ لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ } [ الأَحزاب: 66 ] . وذلك لما رأوا من كرامة الله للمؤمنين وثوابه إياهم ، فتمنّوا أن لو كانوا مسلمين ومؤمنين لينالوا ما نال المسلمون من ثواب الله وجزيل عطائه .

وقد تأوّلت الفرقة الشاكّة هذه الآية على غير تأويلها ، وردّت على الله تنزيله ، فقالوا: هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار ، فيعيّرهم أهل النار ، ويقولون: قد كان هؤلاء مسلمين فما أغنى عنهم؛ قالوا: فيغضب لهم ربهم فيخرجهم زعموا من النار ويدخلهم الجنة . قالوا: فعند ذلك { يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ } . فزعموا أن الله مخرج أقوامًا من النار قد احترقوا وصاروا حممًا . فيدخلون الجنة ، فيقول أهل الجنة هؤلاء الجهنّميون . قالوا: فيدعون ربّهم فيمحي ذلك الاسم عنهم ، فيسمّون عتقاءَ ربّ العالمين ، افتراء على الله ، وكذبًا عليه ، وجحودًا بتنزيله إذ يقول:

{ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً } يعني الشرك { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } يعني الكبائر الموبقة { فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة: 81 ] وقال: { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } [ المائدة: 37 ] . وقال: { وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ } [ الصافات: 9 ] أي: دائم لا ينقطع . وقال: { لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } [ الزخرف: 75 ] أي: يائسون . وقال: { كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَّخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ } [ الحج: 22 ] . وقال: { لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } [ فاطر: 36 ] وقال: { وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ } [ الزخرف: 77 ] وقال: { وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ } [ غافر: 49 ] قالت لهم الخزنة: { أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَما دُعَاء الكَافِرِينَ } أي: أهل النار { إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } [ غافر: 50 ] .

فكيف بعد هذا من تنزيل الله ومحكم كتابه تزعم الفرقة الشاكة أن أهل جهنم يخرجون منها ويدخلون الجنة؟ يتّبعون الروايات الكاذبة التي ليس لها أصل في كتاب الله ، وينبذون كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فالله الحاكم بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت