قوله: { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ } قال بعضهم: بيت المقدس { وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ } قد فسّرناه في سورة البقرة .
قال: { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ } . وقد فسرناه في سورة البقرة .
قوله: { وَسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ } ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر يقال لها أيلة . فكان إذا كان السبت أقبلت الحيتان فتنبطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمن الله في الماء . فإذا كان غير يوم السبت بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم . فخدعهم الشيطان فقال: إنما نهيتم عن أكله ولم تنهوا عن صيده . فاصطادوها يوم السبت ، ثم أكلوها بعد ذلك .
وقال الكلبي: هي أيلة ، وهو مكان من البحر تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد ، تأتيهم منها [ حتى لا يروا الماء وتأتيهم في غير ذلك الشهر كل يوم سبت ] كما تأتيهم في ذلك الشهر . قال: وذلك بلاء من الله ليعلم من يطيعه ممن يعصيه . وذلك في زمان داود عليه السلام .
وقال الكلبي: فإذا جاء السبت لم يمسوا منها شيئًا . فعمد رجال من سفهاء تلك المدينة فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت ، فأكثروا منها ، وملّحوا وباعوا؛ ولم تنزل بهم عقوبة فاستبشروا وقالوا: إنا نرى السبت قد حلّ وذهبت حرمته؛ إنما كان يعاقب به آباؤنا في زمن موسى ، ثم استنَّ الأبناء سنة الآباء ، وكانوا يخافون العقوبة ، ولو كانوا فعلوا لم يضرهم شيء . فعملوا بذلك سنين ، حتى أثروا منه ، وتزوجوا النساء ، واتخذوا الأموال .
فمشى إليهم طوائف من صالحيهم فقالوا: يا قوم ، إنكم قد انتهكتم حرمة سبتكم ، وعصيتم ربكم ، وخالفتم سنة نبيّكم ، فانتهوا عن هذا العمل الرديء قبل أن ينزل بكم العذاب ، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم عذابه عاجلًا ونقمته . قالوا: فلمَ تعظوننا إذ علمتم أن الله مهلكنا ، والله لقد عملنا هذا العمل منذ سنين ، فما زادنا الله به إلا خيرًا؛ وإن أطعتمونا لتفعلن مثل الذي فعلنا؛ فإنما حرم هذا على من قبلنا ، وهم الذين نهوا عنه . قالوا: ويلكم لا تغتروا ولا تأمنوا بأس الله ، فإنه كأن قد نزل بكم . قالوا: ف { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا } . قالوا: معذرة إلى ربكم؛ إما أن تنتهوا فيكون لنا أجر ، أو تهلكوا فننجو من معصيتكم . فأنزل الله: { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ } ، أي شديد ، { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } . فأصبح الذين استحلّوا السبت قردة خاسئين .