قوله: { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ } قال الحسن: يقول: أعلمناهم . كقوله: { وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ } [ الحجر: 66 ] أي: أعلمناه: ذكروا أن مجاهدًا قال: { وَقَضَيْنَا } أي: كتبنا . { لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } [ يعني لتهلكن في الأرض مرّتين ] { وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا } [ يعني لتقهرن قهرًا شديدًا ] .
{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَولاَهُمَا } أي: أولى العقوبتين { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } تفسير مجاهد: إنهم فارس . { فَجَاسُوا خَلاَلَ الدِّيَارِ } فقتلوهم في الدِّيار وهدموا بيت المقدس وألقوا فيه الجيف والعذرة { وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا } أي: إنه كائن .
ذكر بعضهم قال: عوقب القوم على علوّهم وفسادهم ، فبعث الله عليهم في الأولى جالوت الجزري ، فسبى وقتل وجاسوا خلال الدّيار كما قال الله . ثم رجع القوم على دخن فيهم كثير .
قال: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } أي: أكثر عددًا . قوله: { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } ففعل ذلك بهم في زمان داود يوم طالوت .
قال: { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } أي: فلأنفسكم . { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الأَخِرَةِ } أي: من العقوبتين { لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ } وهي تقرأ على وجهين: { لِيَسوءَ } مخففة ، أي ليسوءَ الله وجوهَكم ، والوجه الآخر { لِيسُؤا } مثقلة ، يعني القوم وجوهَكم . { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ } يعني بيت المقدس { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي: كما دخله عدوّهم قبل ذلك .
قال: { وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } أي: وليفسدوا ما غلبوا عليه فسادًا . فبعث الله في الآخرة بختنصر البابلي المجوسي فقتل وسبى وخرب بيت المقدس ، وقذف فيها الجيف والعذرة . ويقال إن فسادهم الثاني قتل يحيى بن زكرياء ، فبعث الله بختنصر عقوبة عليهم بقتلهم يحيى ، فقتل منهم سبعين ألفًا .
وذكر بعضهم قال: كان يحيى بن زكرياء في زمان لم يكن للرجل منهم أن يتزوج امرأة أخيه بعده . فإذا كذب متعمدًا لم يُوَلَّ الملك . فمات الملك . وولى أخوه ، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه [ الملك الذي مات ] . فسألهم فرخصوا له . وسأل يحيى بن زكرياء فأبى أن يرخص له . فحقدت عليه امرأة أخيه . وجاءت بابنة أخي الملك الأول إليه ، فقال لها: سليني اليوم حكمك . فقالت: حتى انطلق إلى أمي . فلقيت أمها فقالت: قولي له: إن أردت أن تفي لنا بشيء فأعطني رأس يحيى بن زكرياء ، فقالت: أقول له خيرًا من هذا . فقالت هذا خير لك منه . فأتت إليه فسألته . فكره أن يُخلِفها ولا يُوَلَّى الملك . فدفع إليها يحيى بن زكرياء . فلما وضعت الشفرة على حلقة قال: [ قولي ] بسم الله هذا ما بايع عليه يحيى بن زكرياء عيسى بن مريم على أن لا يزني ولا يسرق ولا يلبس إيمانه بسوء . فلما أمَرَّت الشفرة على أوداجه فذبحته ناداها منادٍ من فوقها فقال: يا ربة البيت الخاطئة الغاوية . قالت: إنها كذلك فماذا تريد منها؟ فقال: لِتَبْشِر ، فإنها أول من تدخل النار . قال فخسف بابنتها . فجاءوا بالمعاول فجعلوا يحفرون عنها وتدخل في الأرض حتى ذهبت ولم يُقدر عليها .