قوله: { وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ } أي: إذا قال المؤمنون للمشركين ماذا أنزل ربكم { قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ } . وإنما ارتفعت لأنهم قالوا: إنه أساطير الأولين ، وهذه حكاية ، أي: كذب الأولين وباطلهم . فليس يقرون أن الله أنزل كتابًا ، ويقولون: إن النبي افتراه من عنده . وإنما قال ذلك ناس من المشركين ، مشركي العرب ، كانوا يرصدون بطريق مكة من أتى النبي؛ فإذا مرّ بهم من المؤمنين من يريد النبي قالوا: إنما هو أساطير الأولين .
وفي تفسير الكلبي: إن المقتسمين الذين تفرقوا على عقاب مكة أربعة نفر على كل طريق؛ أمرهم بذلك الوليد بن المغيرة فقال: إن الناس سائلوكم عن محمد غدًا بعد الموسم؛ فمن سألكم عنه فليقل بعضكم إنه ساحر ، وليقل الآخر: كاهن ، وليقل الآخر شاعر ، وليقل الآخر مجنون يهذي من أمّ رأسه؛ فإن رجعوا ورضوا بقولكم فذاك ، وإلا لقوني عند البيت . فإذا سألوني صدّقتكم كلّكم .
فسمع ذلك رسول الله A فشقّ عليه ، فبعث مع كل الأربعة أربعة من أصحابه وقال لهم: إذا سألوا عني فكذبوا عني فحدّثوا الناس بما أقول . فكان إذا سئل المشركون ما صاحبكم ، فقالوا: ساحر قال الأربعة الذين هم من أصحاب رسول الله A: انطلقوا حتى تسمعوه ، بل هو رسول الله حقًا ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويأمر بصلة ذي القربى ، وبأن يُقرَى الضيف ، وبأن يُعبد الله ، في كلام حسن جميل؛ فيقول الناس للمسلمين: والله لما تقولون أنتم أحسن مما يقول هؤلاء ، والله لا نرجع حتى نلقاه ، فهو قوله: { وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ } .
قال: { لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ } أي: آثامهم في تفسير الحسن . وقال بعضهم: ذنوبهم ، وهو واحد . { كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ } يعني الذين قالوا أساطير الأولين { وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ } أي: بئس ما يحملون . أي: يحملون آثام أنفسهم ومثل آثام الذين دعوهم إلى الضلالة فاتّبعوهم عليها . وهو كقوله { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } [ العنكبوت: 13 ] أي: يحملون آثامهم ومثل آثام الذين دعوهم إلى الضلالة فاتبعوهم عليها إلي يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار الذين اتبعوهم شيء . هذا في القادة والأتباع .
ذكر الحسن قال: قال رسول الله A: « أيما داع دعا إلى هدى فاتّبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا . وأيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبع عليها كان عليه مثل وزر من عمل بها ، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا »