ثم قال عزّ وجلّ: { كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } [ من قبل قتل قريظة ] { قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ } يعني بني النضير . كان إهلاك الله إياهم قريبًا: كان بين إجلاء بني النضير وقتل قريظة سنتان . نزلت هذه الآية من قوله D: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنُخْرِجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ . . . } إلى هذا الموضع في قتل قريظة ، من قبل أن ينزل قوله: { مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا . . . } إلى قوله D: { وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاَّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } وهي بعدها في التأليف . وتفسير مجاهد: { الَّذِين مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا } أي: كفار قريش يوم بدر .
قال تعالى: { ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } أي: ذاقوا عقوبة أمرهم . والوبال العقوبة . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
قال: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } بريء منه ومن عبادته إياه .
{ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ } أي: عاقبة الشيطان والذي عبده { أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ } أي: المشركين . فضرب الله مثل المنافقين واليهود حين اغترت اليهود بما وعدهم المنافقون من النصر فخذلوهم ولم ينصروهم { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } . . . إلى قوله D: { وَذَلِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ } .
وبلغنا أن عابدا كان في بني إسرائيل قد خرج من الدنيا واتخذ دَيرا يتعبّد فيه . فطلبه الشيطان أن يزله فأعيا عليه . فلما رأى الشيطان ذلك جاء إلى ابنة الملك فدخل فيها فأخذها . فدعوا لها الأطباء فلم يغنوا عنها شيئا . فتكلم على لسانها فقال: لا ينفعها شيء إلا أن تأتوا بها إلا فلان الراهب فيدعو لها . فذهبوا إليه فجعلوها عنده . فأصابها يوما ما كان بها فانكشفت ، وكانت امراة حسناء فأعجبته بياضها وحسنها فوقع عليها فأحبلها . فوسوس الشيطان إلى أبيها وإخوتها بأنه قد وقع عليها فأحبلها . ثم وسوس إلى الراهب فقال له: اقتلها وادفنها لئلا يعلموا أنك أحبلتها . فقتلها الراهب ودفنها في أصل حائط . فجاء أبوها وإخوتها ، وجاء الشيطان بين أيديهم فسبقهم إلى الراهب وقال: إن القوم قد علموا ما صنعت بالمرأة ، فإن سجدت لي سجة رددتهم عنك فسجد له . فلما سجد له أخزاه الله وتبرأ منه الشيطان . وجاء أبوها وإخوتها فاستخرجوها من حيث دفنها وعمدوا إلى الراهب فصلبوه . فضرب الله مثل المنافقين حين خذلوا اليهود فلم ينصروهم . وقد كانوا وعدوهم النصر { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ } في هذه الآية { إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } ، وكذب . قال الله Dَ: { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ } أي عاقبة الشيطان وذلك الراهب { أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ } . وهو تفسير مجاهد .