قوله: { مَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ } أي: من كان يخشى البعث ، وهذا المؤمن ، { فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لأَتٍ } أي: كائن بعد الموت { وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ } أي: لا أسمع منه ولا أعلم منه .
قال: { وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ } أي: يعطيه الله ثواب ذلك في الجنة { إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ } أي: عن عبادتهم .
قوله: { وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي: يجزيهم به الجنة .
قوله: { وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ } يعني جميع الناس { بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } أي: بِرًّا كقوله: { وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [ النساء: 36 ] ، قال: { وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي } أي: إن أراداك على أن تشرك بي { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } أي: إنك لا تعلم أن معي شريكًا ، يعني المؤمنين . { إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ } يعني يوم القيامة { فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .
{ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ } أي: في أهل الجنة .
قوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ } أي: صدّقنا بالله وأقررنا بالله { فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ } ببعض ما يدخل عليه في إيمانه بالله وبمحمّد { جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ } . رجعت القصّة إلى الكلام الأول: { الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } ؛ فوصف المنافق في هذه الآية الآخرة فقال: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ } أي: إذا أُمِر بالجهاد في سبيل الله فدخل عليه أذى رفض ما أُمِر به ، يعني المنافق ، واجترأ على عذاب الله ، أي: وأقام عن الجهاد ، فتبيّن نفاقه ، أي: جعل فتنة الناس ، يعني ما يدخل عليه من البلية في القتال ، إذا كان بلية ، كعذاب الله في الآخرة ، [ فترك القتال في سبيل الله واجترأ على عذاب الله ] لأن الله قد خوّفه عذاب الآخرة ، وهو لا يُقِرّ بِهِ .
[ وقال مجاهد: هم أناس آمنوا بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم أو في أموالهم افتتنوا فجعلوا ما أصابهم في الدنيا كعذاب الله في الآخرة ] .
قوله: { وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ } أي: نصر على المشركين ، فجاءت غنيمة { لَيَقُولُنَّ } يعني جماعتهم { إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } أي: يطلبون الغنيمة . قال الله: { أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ } أي: إنه يعلم ما في صدور العالمين ، ويعلم ما في صدور المنافقين من التضييع للفرائض وترك الوفاء بما أقرّوا له به .
{ وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } وهي مثل قوله: { فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكّاذِبِينَ } . وقد فسّرنا ذلك في الآية الأولى . وهذا كله علم الفعال . وما بعد هذه العشر الآيات مكية كلها ، وهذه العشر مدنية ، نزلت بعد ما بعدها من هذه السورة ، وهي قبل ما بعدها في التأليف .