قوله: { يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ } . أي بالعلل والكذب { وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُّرْضُوهُ } أي بالصدق والوفاء { إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ } أي: إنهم يزعمون أنهم مؤمنون بالإِقرار والتوحيد دون العمل بجميع الفرائض التي فرض الله عليهم . وليسوا بمؤمنين حتى يكملوا جميع فرائض الله في القول والعمل . فقال: { وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } من أن يرضوكم بالعلل والكذب .
{ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ } أي: من يشقاق الله ورسوله ، وقال بعضهم: من يخالف الله ورسوله { فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ } أي: قد أنزل الله ذلك عليهم ، وأعلمهم به ، واتخذ به الحجة عليهم . وهو كقوله: { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا } [ الأنبياء: 30 ] ؛ وكقوله: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ } [ التوبة: 78 ] .
قوله: { يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق وما كانوا يحذرون . ففعل الله ذلك بهم ، فأخرج أضغانهم ، وهو ما كانو يكنون في صدورهم . وإنما حذروا من شيء تَيَقّنوا به ، ولو كانوا مشركين لم يحذروه لأنهم يجحدونه ولا يقرون به .
وقال مجاهد: يقولون القول بينهم ثم يقولون: نخشى الله أن يُفشِي علينا سرَّنا هذا .
ذكر بعضهم قال: كانت هذه السورة تسمى جاهرة أي: جهرته . وبعضهم يقول: حافرة ، أي حفرت عن ذنوب القوم ، يعني المنافقين . وقال بعضهم: كانت هذه السورة تسمى فاضحة المنافقين؛ لأنها أنبأت بمقالتهم وأعمالهم . وقال الحسن: كانت تسمى حافرة ، أنبأت بما في قلوب المنافقين .
{ قُلِ اسْتَهْزِءُوا } أي بمحمد وأصحابه ، وهو وعيد هَوْلُه شديد . كقوله: { فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف: 29 ] وهو وعيد . { إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } أي: ما أكننتم في قلوبكم من النفاق فمخرجه ، فذاكره عنكم .
وأما قوله: { اسْتَهْزِءُوا } فهو جواب من الله لقولهم . { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } يعني كفار المشركين { قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ } أي في المودة { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ } [ البقرة: 14 ] . أي إنما نحن مخادعون . والاستهزاء في هذا الموضع إنما هو الخداع . ألا تراه يرد عليهم جوابهم: { اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } [ البقرة: 15 ] أي يخدعهم في الآخرة كما خدعوه في الدنيا .
وقد أوضح ما تأولنا عليه الآية في النساء فقال: { إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء: 142 ] يخادعونه بما أظهروا من التوحيد والإِقرار ، وليس من شأنهم الوفاء بالأعمال . وهو خادعهم إذ جعل مساقهم مع المؤمنين . وبيان خدعه إياهم في سورة الحديد . وسنذكر ذلك أيضًا في سورة الحديد إذا أتينا عليه ، كيف خدعهم الله عند ضرب السور بينهم وبين المؤمنين إذ طمعوا أن يكونوا من المؤمنين ، إذ سبقوا في زمرتهم بالنور القليل الذي كان معهم ، وبه ناكحوا المسلمين ووارثوهم . فَطفِىءَ نور المنافقين ، ومضى نور المؤمنين من بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم . وسنأتي على بقيّة ما بقي من هذا في سورة الحديد إذا نحن بلغناها إن شاء الله .