فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 1767

ثم ذكر الله صنفًا آخر من الناس ، يعني المنافقين فقال: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } يقول: أقروا لله بألسنتهم وخالفت أعمالهم . وما هم بمؤمنين ، أي: حتى يستكملوا دين الله ويوفوا بفرائضه كَ { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } [ سورة النجم: 37 ] أي الذي أكمل الإِيمان وأكمل الفرائض .

قوله: { يُخَادِعُونَ اللهَ وَالذِينَ ءَامَنُوا } أي بما أعطوهم من الإِقرار والتصديق ، وأعطوا الحقوق من الزكاة ، يخادعون بذلك رسول الله A والمؤمنين؛ فجعل الله مخادعتهم رسولَه والمؤمنين كمخادعة منهم لله . وهو كقوله: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ } [ الفتح: 10 ] . والإِيمان بالنبي عليه السلام إيمان بالله ، والكفر به هو كفر بالله ، وكذلك مخادعة الله . قال: { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } أي: إن ذلك يرجع عليهم عذابه وثواب كفره . وتفسير خدعة الله إياهم في سورة الحديد { وَمَا يَشْعُرُونَ } أي أن ذلك يصير عليهم .

ثم قال: { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } يعني بذلك النفاق . يقول: في قلوبهم نفاق ، فنسب النفاق إلى القلب كما نسب الإِثم إليه ، كقوله في الشهادة: { وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } [ سورة البقرة: 283 ] قال: { فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا } أي الطبع على قلوبهم بكفرهم . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعني عذابًا موجعًا { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } مخفّفة؛ أي: بقولهم: إنا مؤمنون وليسوا بمؤمنين إذ لم يستكملوا فرائض الله ولم يوفوا بها . فهذا تفسير من قرأها بالتخفيف . ومن قرأها بالتثقيل: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } فهو يريد: بعض العمل أيضًا تكذيب؛ يقول: إن التكذيب تكذيبان: تكذيب بالقول وتكذيب بالعمل . ومثله في اللغة أن يقول القائل للرجل إذا حمل على صاحبه فلم يحقق في حملته: كَذَب الحملةَ ، وإذا حقّق قالوا: صدق الحملة . فمن قرأها بالتخفيف فهو يريد الكذب على معنى ما فسّرناه أولًا . وأخت هذه الآية ونظيرتها التي في براءة: { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [ سورة التوبة: 77 ] . يقول: أعقبهم ، بالخلف والكذب الذي كان منهم ، نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه . ومن قرأها بالتثقيل فهو بالمعنى الآخر الذي وصفناه آخرًا ، ولا يعني به جحدًا ولا إنكارًا ، لأن مرض النفاق غير مرض الشرك ، وكذلك كفر النفاق غير كفر الشرك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت