قوله: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } أي: ببلاء وشرّ . قال بعضهم: النصب: الضر في الجسد ، والعذاب: ذهاب ماله . وتفسير الحسن بنصب وعذاب في جسده؛ وقد فسّرنا قصته وقصة امرأته في سورة الأنبياء وكيف ذهب ماله .
فأوحى الله إليه أن { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } فركض برجله ركضة وهو لا يستطيع القيام ، فإِذا عين فاغتسل منها فأذهب الله ظاهر دائه ، ثم مشى على رجليه أربعين ذراعًا ، ثم قيل له: اركض برجلك ايضًا ، فركض ركضة أخرى فإِذا عين فشرب منها فأذهب الله عنه باطن دائه .
وقال الكلبي: وكساه الله ثيابًا جديدة حسانًا . وجلس على شاطئ نهر ، فجاءت امرأته بطعام قد أصابته ، فنظرت فإذا الغار ليس فيه أحد؛ فلم تشك أن السبع قد أكله . فجعلت تستحيي من الرجل وهي ما تعرفه ، فقالت: يا عبد الله ، أرأيت الذي كان في هذا الغار أين هو؟ قال: أنا هو . قالت: يا عبد الله ، لا تسخر مني ، فقد كان أمره بخير . فقال: أنا صاحبك ، ولم تصدّقه .
فقال: إن لم تصدقيني فاذهبي إلى بيتك ذلك ، فإن الله قد أقامه لك ، وردّ عليك ولدك ، وقد كانوا ثلاثة عشر ، وزاد الله له ثلاثة عشر أخرى ، وأخرج له حيوانه كلها ، وزاده مثلها معها ، حتى صار مَلِك دمشق بعدُ .
قال الحسن: فردَّ الله عليه أهله وولده وأمواله من البقر والغنم والحيوان وكل شيء ملكه بعينه ، ثم أبقاه الله فيها حتى وهب له من نسولها أمثالها . وهو قوله: { وَوَهَبْنَا لَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ } فوفّاهم آجالهم . قال بعضهم: مثل السبعين الذين كانوا مع موسى فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم ، ومثل { الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أحْيَاهُمْ } [ البقرة: 243 ] فاستوفوا بقية آجالهم .
وقال الحسن: إن الله أحيى أولاد أيوب بأعيانهم ، وأن الله أبقاه فيهم حتى أعطاه الله من نسولهم . وإن إبليس يأتيه يومئذ عيانًا ، قال: يا أيوب ، اذبح لي سخلة من غنمك؛ قال: لا ، ولا كفًا من تراب .
ذكروا عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عبد الله بن مسعود Bه يقول: لا يبلغ العبد الكفر بالله والإشراك به حتى يصلي لغير الله ، أو يدعو غير الله ، أو يذبح لغير الله .
ذكروا عن الحسن أن أيوب لم يبلغه شيء يقوله الناس كان أشد عليه من قولهم: لو كان نبيًا ما ابتلي بمثل ما ابتلي به . فدعا الله فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت في السر مثلها ، فاكشف عني ما بي من ضر فأنت أرحم الراحمين . فاستجاب الله له فوقع ساجدًا .