قوله: { وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: من قبل مشركي هذه الأمة ، فكان مكرهم في تباب ، أي: في خسار .
قال الله: { فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا } فمَكَر بِهِم؛ أهلكهم أحسن ما كانوا في دنياهم حالًا وأعزَّه . وقال في آية أخرى: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ . ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَة } أي: مكان الشدة الرخاء { حَتَّى عَفَوا } أي: حتى كثروا { وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ } أي: قد أتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيء . قال الله: { فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً } أي: فجأة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [ الأعراف: 94-95 ] .
قوله: { يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } أي: ما تعمل كل نفس { وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ } أي: لمن الجنة .
قوله: { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي: يقولون لمحمد { لَسْتَ مُرْسَلًا } أي: لستَ برسول الله . { قُلْ } يا محمد { كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ } أي: إني مرسل .
وهو كقوله: { الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } [ سورة البقرة: 146 ] أي: يعرفون أن محمدًا رسول الله؛ بل معرفتهم لمحمد أنه رسول الله ، لِمَا جَاءتهم به أنبياؤهم وما يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإِنجيل ، أثبتُ؛ لأن أبناءهم لا يدرون ما أحدثت نساؤهم فيهم؛ ومحمد لا يشكّون أنه رسول الله ، بما جاءتهم به أنبياؤهم من عند الله ، وبما وجدوا في كتبهم التي أنزلها الله عليهم .
ذكروا عن عبد الله بن سلام قال: فيّ نزلت هذه الآية: { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ } .
قال الحسن: هو الله . وقال بعضهم: علم الكتاب أي: أصل الكتاب وجِماعه .
وبعضهم يقرأ هذا الحرف: { وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتَابِ } يقول: من عند الله علم الكتاب .
وقال بعضهم: { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسِلًا } يعني مشركي العرب . { قُلْ } يا محمد { كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ } قال: قد كان من أهل الكتاب قوم يهدون بالحق ويعرفونه؛ منهم عبد الله بن سلام ، وسلمان الفارسي ، وكعب .