قوله: { إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَالذِينَ هَادُوا } أي: اليهود تهوّدوا { وَالصَّابِئِينَ } هم قوم كانوا يعبدون الملائكة ، ويقرأون الزبور { وَالنَّصَارَى } أي: تنصرّوا . وإنما يقال لهم نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة . { وَالمَجُوسَ } وهم عبدة الشمس والقمر والنار { وَالذِينَ أَشْرَكُوا } أي: عبدة الأوثان { إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ } أي: فيما اختلفوا فيه في الدنيا ، فيدخل المؤمنين الجنة ، ويدخل جميع هؤلاء النار ، على ما أعد لكل قوم ، وقد ذكرنا ذلك في سورة الحجر في قوله تعالى: { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ } [ الحجر: 44 ] .
قوله: { إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } أي: شاهد على كل شيء ، وشاهد كل شيء .
قوله: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ } يعني أن جميع من في السماوات يسجدون له ، وبعض أهل الأرض ، يعني الذين يسجدون له وكان الحسن لا يعدّ السجود إلا من المسلمين ، ولا يعدّ ذلك من المشركين . وقال مجاهد: يسجد المؤمن طائعًا ويسجد كل كافر كارهًا . { وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ } كلها { وَالجِبَالُ } كلها { وَالشَّجَرُ } كلها { وَالدَّوَآبُّ } كلها . ثم رجع إلى صفة الإِنسان فاستثنى فيه فقال:
{ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ } يعني المؤمنين { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ } يعني من لم يؤمن . قال الله D: { وَمَن يُهِنِ اللهُ } فيدخله النار { فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } فيدخله الجنة { إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } .
قوله: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } . قال بعضهم: اختصم المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبيُّنا قبل نبيّكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن خير منكم . وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها ، ونبينا خاتم النبيين ، ونحن أولى بالله منكم ، فأفلج الله أهل الإِسلام فقال: { هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارْ . . . } إلى آخر الآية ، وقال: { إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا . . . } إلى آخر الآية .
ذكروا عن الحسن في قوله: { هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا } قال: أهل الكتاب خصم والمؤمنون خصم؛ اختصموا ، يعني جماعتهم ، كل مؤمن وكافر إلى يوم القيامة قد اختصموا في الله وإن لم يلتقوا في الدنيا قط لاختلاف الملتين . أما المؤمن فوحد الله وعمل بفرائضه فأخبر الله بثوابه ، وأما الكافر فألحد في الله وعبد غيره ، فأخبر الله بعقابه .
وقال بعضهم: نزلت في ثلاثة من المؤمنين وثلاثة من المشركين الذين تبارزوا يوم بدر . فأما الثلاثة من المؤمنين فعبيدة بن الحارث ، وحمزة بن عبد المطلب ، وعلي ابن أبي طالب Bهم . وأما الثلاثة من المشركين فعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة . قوله: { فَالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ } . وقال في آية أخرى: { سَرَابِيلُهُم } أي: قمصهم { مِّن قَطِرَانٍ } [ إبراهيم: 50 ] قال الحسن: القطران الذي يطلى به الإِبل . وقال مجاهد من صفر . قال الحسن: وهي من نار .
قوله: { يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الحَمِيمُ } وهو الحار الشديد الحر . { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ } أي: ويحرق به الجلود . وقال الحسن: أي: يقطع به . وقال مجاهد: يذاب به . وقال الكلبي: ينضج به . وهو كله نحو واحد . قال تعالى: { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم } [ النساء: 56 ] وقال: { ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ } [ أل عمران: 181 ] .