{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } قوله: { الم } قد فسرناه في أول سورة البقرة { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا } أي: صدقنا { وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } أي: بالجهاد في سبيل الله ، وبالفرائض التي أمرهم الله بها وابتلاهم بها .
وهم قوم كانوا بمكة ممن أسلم وأجاب النبي عليه السلام إلى دينه؛ كان قد وضع عنهم النبي عليه السلام الجهاد ، والنبي بالمدينة بعدما افترض عليه الجهاد ، وقبل منهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، ولا يجاهدوا . ثم افترض عليهم الجهاد ، وأمرهم به ، وأذن لهم فيه ، وذلك حين أخرجهم أهل مكة فقال: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [ الحج: 39 ] . فلما أمروا بالجهاد كره قوم القتال فقال الله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ } أي: فلما فرض عليهم القتال { إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ } أي: لم فرضت علينا القتال { لَوْلاَ } أي: هلاَّ { أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } [ النساء: 77 ] ، وأنزل الله في هذه الآية في أول السورة: { الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا } أي: صدقنا فقط { وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } أي: وهم لا يبتلون بالجهاد في سبيل الله .
قوله: { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: ولقد ابتلينا الذين من قبلهم ، أي: بعد تصديقهم وإقرارهم { فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا } أي: أهل الوفاء والاستكمال لما ابتلاهم الله به من الأعمال ، { وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } أي: أهل الخيانة والكذب فيما ابتلوا به من الأعمال وهم المنافقون . وهذا علم الفَعال .
قوله: { فلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا } أي: الذين آمنوا فاعلين الجهاد ولِكُلِّ ما تعبّدهم به من طاعته ، وليعلَمَنَّ المنافقين التاركين للجهاد ولكثير مما تعبّدهم به . وقد علم الله ذلك قبل أن يفترض عليهم ما افترض أنهم سيفعلون وسيتركون ، ولكنه قال: وليعلمنّكم كاذبين فاعلين وتاركين .