قوله: { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ } أي الجبل { بِمِيثَاقِهِمْ } أي أخذ ميثاقهم على أن يأخذوا ما أمرهم به بقوة ، أي بجدّ { وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا } قال بعضهم: هو باب حطة . { وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُّوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيْثَاقًا غَلِيظًا } وقد فسَّرنا تعديهم في السبت في سورة البقرة .
قوله: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ } أي فبنقضهم ميثاقهم { وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } أي لا نفقه قولك يا محمد . قال الحسن غُلْف أي: قلف لم تختن لقولك يا محمد . وقال مجاهد: يعني الطبع . قال الله: { بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا } قال بعضهم: قلَّ من آمن من اليهود .
قوله: { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا } . وهو ما قذفوا به مريم . والبهتان العظيم الكذب . وهم اليهود .
{ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ } أي مسح بالبركة { رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ } أي ألقى الله على رجل شبه عيسى فقُتِلَ ذلك الرجلُ .
وقال بعضهم: ائتمروا بقتل عيسى وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه .
ذكروا أن عيسى قال لأصحابه: أيّكم يُلقى عليه شبهي وأنه مقتول؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله . فقُتِل ذلك الرجل ومنع الله نبيَّه ورفعه إليه .
وقال مجاهد: صلبوا رجلًا غير عيسى يحسبونه إياه ، ورفع الله عيسى حيًّا .
قوله: { وَإِنَّ الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ } كان بعضهم يقول: هم النصارى اختلفوا فيه فصاروا فيه ثلاث فرق . وقال بعضهم: صارت النصارى فيه فرقتين: فمنهم من شهد أنه قتل ، ومنهم من زعم أنه لم يقتل .
قال الله: { مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا } أي ما قتلوا ظنهم يقينًا { بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } . ذكروا أن رسول الله A ذكر في حديث ليلة أسري به أنه أتى على يحيى وعيسى في السماء الثانية .
قوله: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } يقول: قبل موت عيسى إذا نزل علهيم . { وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } أي يكون عليهم شهيدًا يوم القيامة أنه قد بلغ رسالة ربه ، وأقر بالعبودية على نفسه .
وبعضهم يقول: { إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } يقول: عند موت أحدهم .
وقال مجاهد: { إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } يعني كل صاحب كتاب قبل موت صاحب الكتاب .
ذكر الحسن قال: قال رسول الله A: « الأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد . وأنا أولى الناس بعيسى لأنه ليس بيني وبينه نبي . وإنه نازل لا محالة ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، فإنه رجل مربوع الخلق ، بين ممصرتين إلى الحمرتين والبياض ، سبط الرأس ، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل ، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ، ويقاتل الناس على الإِسلام ، فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإِسلام . وتقع الأمانة في الأرض حتى ترتع الأسد مع الإِبل ، والنمور مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، ويلعب الغلمان بالحيَّاتِ لا يضر بعضهم بعضًا » .