قوله: { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ } . فسخر الله له الريح والشياطين: وسخر له الشيطان الذي فعل به الفعل ، واسم الشيطان صخر . فأخذه سليمان فجعله في تخت من رخام ، ثم أطبق عليه ، وسد عليه بالنحاس ، ثم ألقاه في جوف البحر . فمكث سليمان في ملكه راضيًا مطمئنًا حتى قبضه الله إليه .
قوله: { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ } . فزاده الله ملكًا إلى ملكه الذي ورثه من داوود ، فسخّر له الريح والشياطين .
قال الله: { فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَءَاخَرينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ } .
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله A: « بينا أنا البارحة في مصلاي إذ عرض علي الشيطان ، فأخذته بحلقه فخنقته ، حتى إني لأجد برد لسانه على ظهر كفي ، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا تنظرون إليه » .
قوله: { تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً } ذكروا عن الحسن قال: الرخاء التي ليست بالعاصف التي تؤذيه ، ولا بالبطيئة التي تقصر به عن حاجته ، رخاء بين ذلك . قوله: { حَيْثُ أَصَابَ } أي: حيث أراد ، وهي بلسان هجر . وهو تفسير مجاهد . غير أنه قال: حيث شاء .
وتفسير الحسن: أن سليمان إذا أراد أن يركب جاءت الريح فوضع سرير مملكته عليها ، ووضع الكراسي والمجالس على سريره ، وجلس وجوه أصحابه على منازلهم في الدين عنده من الجن والإنس ، والجن يومئذ ظاهرة للإِنس ، رجال أمثال الإِنس إلا أنهم أُدْمٌ ، يحجون ويصلون جميعًا ويعتمرون جميعًا ، والطيور ترفرف على رأسه ورؤوسهم ، والشياطين حَرَسَة لا يتركون أحدًا يتقدم بين يديه ، وهو قوله: { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } [ النمل: 17 ] على كل صنف منهم وزعة يرد أولهم على آخرهم .
قوله: { وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ } أي يغوصون في البحر ويستخرجون له اللؤلؤ . { وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ } أي: في السلاسل ، ولم يكن يسخر منهم ويستعمل في هذه الأشياء ولا يصفد في السلاسل إلا الكفار منهم ، فإذا تابوا وآمنوا حلهم من تلك الأصفاد . هذا تفسير الحسن .