قوله: { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا } أي: من بعد ما عذِّبوا { ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } قال الحسن: إنهم قوم كانوا بمكة ، فعرضت لهم فتنة ، فارتدّوا عن الإِسلام ، وشكوا في نبي الله ، ثم إنهم أسلموا وهاجروا إلى رسول الله بالمدينة ، ثم جاهدوا معه وصبروا ، فنزلت فيهم هذه الآية .
وقال بعضهم: ذكر لنا أنه لما أنزل الله إن أهل مكة لا يقبل منهم إِسلام حتى يهاجروا ، كتب بذلك المؤمنون إلى أصحاب لهم بمكة ، وخرجوا فأدركهم المشركون فردوهم . فأنزل الله: { الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُّتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت: 2 ] ، والآية الأخرى التي بعدها . فكتب بها أهل المدينة إلى أهل مكة . فلما جاءهم ذلك تبايعوا أن يخرجوا ، فإن لحق بهم المشركون أن يقاتلوهم ، حتى يلحقوا بالله أن ينجوا ، فأنزل الله: { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ للَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا . . . } إلى آخر الآية .
قوله: { يَوْمَ تَأتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا } قال الحسن: إن كل نفس توقف بين يدي الله للحساب ، ليس يسألها عن عملها إلا الله .
قال: { وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } من خير أو شر { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أما الكافر فليس له من حسناته في الآخرة شيء ، قد استوفاها في الدنيا . وأما سيئاته ، فيُوفّاها في الآخرة ، يجازى بها النار . وأما المؤمن فهو الذي يوفّى الحسنات في الآخرة ، وأما سيئاته فإنّ منهم من لم يخرج من الدنيا حتى ذهبت سيئاته بالبلايا والعقوبة؛ كقوله: { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ } [ الشورى: 30 ] . ومنهم من تبقى عليه من سيئاته فيفعل الله فيه ما يشاء . وقد بلغنا أن منهم من تبقى عليه عند الموت فيشدّد عليه في خروج نفسه . ومنهم من تبقى عليه فيشدد عليه في القبر ، ومنهم من تبقى عليه فيشدد عليه في الموقف . ومنهم من تبقى عليه منها فيشدد عليه عند الصراط حتى يلقى الله وقد غفر له ذنوبه كلها .