قوله: { وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى } .
وذلك أن رهطًا من قريش قالوا: يا محمد ، إن كنت كما تزعم فسيِّر لنا هذه الجبال من مكة ، فإنها ضيّقة . قال لا أطيق ذلك . قالوا: فسخّر لنا الريح لنركبها إلى الشام فنقضي عليها مَيْرنا وحاجتنا حتى نرجع من يومنا إن كنت رسول الله ، فإنها قد سخّرت لسليمان بن داود ، ولست بأهون على الله من سليمان بن داود . قال: لا أستطيع . قالوا فابعث لنا بعض من قد مات منا فنسألهم أحق ما تقول أم باطل ، فإن عيسى قد كان يحيي الموتى كما زعمت لقومه ، ولست بأهون على الله منه إن كنت رسوله . قال: لا أستطيع ذلك ، فأنزل الله: { وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى } يقول لو أنا فعلنا ذلك بقرآن غير قرآنك فعلنا بالقرآن الذي أنزلناه إليك .
وقال الحسن: قالوا إن أرضنا أرض ضَيِّقة ، فادع لنا ربك بقرآنك هذا حتى تسير عنا جبال تهامة حتى نزرع فيها ، وتفجر لنا أنهارًا وعيونًا فإنا أصحاب آبار ، وأَحْيِ لنا أمواتنا حتى يشهدوا أنك رسول الله فنؤمن بك . وهو قوله: { وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ . . . } إلى آخر الآيات . [ الإِسراء: 90-93 ] فقال الله: لو أن بلاغة قرآن بلغت عند الله ما يسيِّر به الجبال أو يفجّر به الأنهار أو يحيي الموتى لبلغت بلاغة هذا القرآن بمنزلته وكرامته عند الله .
قال الله: { بَل لِّلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا } .
وقال مجاهد: سألت قريش النبي عليه السلام أن يفسح لهم جبال مكة ، ويقطع لهم الأرض بينهم وبين الشام ، ويحيي لهم موتاهم ، فقال الله لمحمد: لو فعلنا هذا بنبي قبلك فعلناه بك .
وذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن قريشًا قالت لنبي الله: إن سرك أن نتبعك فسيّر لنا جبال تهامة ، وزد لنا في حرمنا حتى نتخذ قطائع نحترث فيها ، وأحي لنا فلانًا وفلانًا ، لأناس ماتوا في الجاهلية ، فأنزل الله هذه الآية . يقول: لو فعلنا هذا بقرآن غير قرآنكم فعلناه بقرآنكم .
قوله: { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } . وهو على الاستفهام ، أي: قد تبيَّن للذين آمنوا . وقال في آية أخرى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعًا } .
وقال بعضهم: { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا } يقول: ألم يعرف الذين آمنوا ويتبيّن لهم { أَن لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } .
قوله: { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ } وهي السرايا ، سرايا رسول الله عليه السلام ، يصيبهم الله منها بعذاب ، يعني المشركين . { أَوْ تَحُلُّ } أنت يا محمد { قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ } [ يعني فتح مكة في تفسير مجاهد وقتادة { إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ } .