قوله: { يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا } ذكر بعضهم أنهم نزلت في شأن مرداس رجل من غطفان .
ذكر لنا أن نبي الله بعث جيشًا عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك ، وبه أناس من غطفان . وكان مرداس منهم؛ ففر أصحابه ، فقال لهم مرداس: إني مؤمن وإني غير متابعكم . فصبَّحته الخيل غدوة . فلما لقوه سلّم عليهم ، فقتلوه ، وأخذوا ما كان معه من متاع؛ فأنزل الله: { يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤمِنًا } . لأن تحية المؤمنين السلام ، بها يتعارفون ، وبها يلقى بعضهم بعضًا ، وهي تحية أهل الجنة .
{ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } . وذلك في تفسير الحسن أن رجلًا من المشركين لما غشيه المسلم في سيره ، ومعه متاع له فرغب فيه وهو على حمار له فذهب ليقتله فقال: إني مسلم فلقيه فقتله ، فأخذ متاعه فأنزل الله هذه الآية: { فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } يعطيكموها . . . إلى آخر الآية .
{ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ } أي ضُلاَّلًا { فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ } بالإِسلام وهداكم له .
وقال الحسن: كذلك كنتم من قبل مشركين مثلهم فأعطيتم ما أعطاكم فقبل منكم ، فهلاَّ قبلتموه منهم . { فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } .
قوله: { لاَّ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَر وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بَأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ } . ذكروا عن البراء بن عازب قال: لما نزلت هذه الآية: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله جاء ابن أم مكتوم إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله ، أنا كما ترى ، كان أعمى ، فقال رسول الله A: « ادعوا لي زيدًا وليأتني باللوح أو الكتف » فأنزل الله: { غَيْرُ أُوْلي الضَّرَرِ } ، فأنزل الله عذره .
وقال الحسن: هو كقوله: { لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ } [ الفتح: 17 ] .
قوله: { فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ } أي المجاهد والقاعد { وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى } والحسنى الجنة . وعد الله المجاهدين من المؤمنين الجنة . وهذه نزلت بعد ما صار الجهاد تطوّعًا .
{ وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } .
ذكروا أن رسول الله A قال: « من أقام الصلاة وآتى الزكاة ومات لا يشرك بالله فإن حقًا على الله أن يغفر له ، جاهد أو قعد » .
وفي قوله: { فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ } ذكروا عن عطاء أنه قال: من جهَّز غيره بمال في سبيل الله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف ، ومن خرج بنفسه وماله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف وبكل ضعف سبعون ألف ضعف ، و { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ } [ المائدة: 27 ] .