فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 1767

قوله: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } فسرهم الذي يخفونه والذي في قلوبهم من النفاق ، ونجواهم ما يتناجون به من النفاق فيما بينهم . أي: قد عملوا ذلك فيما أنزل الله في كتابه ، وقامت به الحجة عليهم . { وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ } .

قوله: { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .

ذكروا أن عبد الرحمن بن عوف جاء بنصف ماله إلى رسول الله A يتقرّب به إلى الله فقال: يا رسول الله ، هذا صدقة [ وأحسبه قال: يا رسول الله هذا نصف مالي أتيتك به ، وتركت نصفه لعيالي . فدعا الله أن يبارك له فيما أعطى وفيما أمسك ] . فلمزه المنافقون ، وقالوا: ما أعطى إلا رياء وسمعة .

وجاء الحثحاث أبو عقيل ، رجل من الأنصار ، إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله: بت البارحة أجر الجرير على صاعين من تمر . فأما صاع فأمسكته لأهلي ، وأما صاع فهذا هو . [ فقال له نبي الله عليه السلام خيرًا ] ؛ فقال المنافقون: والله إن كان الله ورسوله لغنيِّيْنِ عن صاع أبي عقيل . فأنزل الله هذه الآية . وقال:

{ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ } أي خالفوا الله ورسوله { وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ } أي لا يكونون بالفسق مهتدين عند الله . وهذا فسق النفاق ، وهو فسق دون فسق ، وفسق فوق فسق .

وكانوا يأتون النبيَّ عليه السلام ويعتذرون إليه ، ويقولون: { إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى } [ التوبة: 107 ] و { إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا } [ النساء: 62 ] . فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله A: « قد خيّرني ربي ، فوالله لأزيدنَّهم على السبعين » ؛ فأنزل الله هذه الآية في سورة المنافقون { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ } [ المنافقون: 6 ] وهو فسق النفاق .

وهذا مما يدل أهل الفراق أن لو كانوا مشركين كما وصفوا لم يستغفر لهم رسول الله ، ولم يقل لأزيدن على السبعين مرة في الاستغفار لهم؛ وما كان رسول الله A ليجهل الشرك فيستغفر لأهله ، وقد قال الله: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ } [ التوبة: 113 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت