قوله: { وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } أي: بأمرنا { وَوَحْيِنَا } أي: وبوحينا فعملها على مثل جؤجؤ الطير . قال بعضهم: رأسها مثل رأس الحمامة ، وذنبها مثل ذنب الديك .
قوله: { وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ } ، أي: ولا تراجعني في الذين ظلموا أنفسهم بشركهم { إِنَّهُم مَّغْرَقُونَ } .
قال: { وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ } أي: إن نوحًا عمل الفلك بيده ، فكان يمر عليه الملأ من قومه ، فيقولون له استهزاءً به: يا نوح ، بينما تزعم أنك رسول رب العالمين إذ صرت نجّارًا .
{ قَالَ } لهم: { إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } . وكان الرجل من قومه يأخذ بيد ابنه فيذهب به إلى نوح فيقول: يا بُنَيّ ، لا تطع هذا ، فإن أبى قد ذهب بي إليه ، وأنا مثلك ، فقال لي: لا تطع هذا .
قوله: { مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } يعني عذاب الدنيا ، أي: الغرق .
قال: { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } أي: دائم في الآخرة . وهي تقرأ على وجهين: يحِل ويحُل؛ فمن قرأها: ويحل ، أي: يجب . ومن قرأها: ويحُل: أي وينزل به .
قوله: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ } والتنور في تفسير الحسن: الباب الذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ ففار منه الماء ، والسفينة على الأرض . [ فكان ذلك علامة لإِهلاك القوم ] .
وقال بعضهم: التنور عين ماء كانت بالجزيرة يقال لها التنور .
وبعضهم يقول: كان التنور في أقصى داره . وقال بعضهم: كان التنور أعلى الأرض وأشرفها .
وقال مجاهد: { وَفَارَ التَّنُّورُ } حين ينبجس الماء منه . فأوحى الله إليه إذا فار التنور أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ، وهو قوله:
{ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: من كل صنف اثنين . والزوج هو الواحد ، والزوجان اثنان . وقال مجاهد: ذكر وأنثى من كل صنف . فحمل فيها من جميع ما خلق الله من البهائم والهوام والسباع والدواب ، دوابّ البر والبحر والطير والشجر . وشكوا إلى نوح في السفينة الزبل ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى نوح أن يمسح بيده على ذنب الفيل ، ففعل؛ فخرج منه خنزيران كانا يأكلان الزبل . وشكوا إليه الفار ، فأوحى الله إلى الأسد ، أي ألقى في قلبه ، مثل قوله تعالى: { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ } [ النحل: 68 ] ، فعطس الأسد فخرج من منخريه سنّوْران فكانا يأكلان الفار . وشكوا إلى نوح عرامة الأسد ، فدعا عليه نوح فسلط الله عليه الحمى ، فقال له نوح: « إزناتاعت لسري » وهي بالسريانية . فقال له نوح: أيها الأسد: أتريد لحمًا؟ فأومأ الأسد: لا .
قوله: { وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ } أي: الغضب ، وهو ابنه الذي غرق ، وقال الحسن: { مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ } أي: كل من غرق يومئذٍ .