فجلس وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير ، وبيده عود ينكث به الأرض ، ثم رفع رأسه فقال: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر . قالها ثلاثًا .
إن المؤمن إذا كان في قِبَل من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتته ملائكة وجوههم كالشمس بحنوطه وكفنه ، فجلسوا منه بالمكان الذي يراهم منه . فإذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملك في السماوات ، وفتحت أبواب السماء ، كل باب منها يعجبه أن تصعد روحه منه . فينتهي الملك إلى ربه فيقول: يا ربّ ، هذا روح عبدك . فيصلي الله عليه وملائكته ويقول: ارجعوا بعبدي وأرُوه ما أعددت له من الكرامة ، فإني عهدت إلى عبادي أني { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ } [ سورة طَهَ: 55 ] فيرد إليه روحه حتى يوضع في قبره . وإنه ليسمع قرع نعالهم حتى ينطلقون عنه ، فيقال: من ربّك ، وما دينك ، ومن نبيّك؟ فيقول: الله ربّي ، والإِسلام ديني ، ومحمد نبيّي ، فنادى منادٍ: { يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ } .
ويأتيه عمله في صورة حسنة وريح طيبة فيقول: أبشر بحياة فيها نعيم مقيم ، فقد كنت سريعًا في طاعة الله ، بطيئًا عن معصية الله ، فيقول: وأنت فبشّرك الله بخير ، فمثل وجهك يبشّر بالخير ، فمن أنت؟ فيقول: أنا عملك الحسن . فيفتح له باب من أبواب النار فيقال له: هذا منزلك ، فأبدلك الله خيرًا منه . ثم يفتح له منزله من الجنة ، فينظر ماذا أعد الله له من الكرامة فيقول: يا رب متى تقوم الساعة كي ارجع إلى أهلي ومالي ، فيوسّع له في قبره ويرقد .
وأما الكافر فإذا كان في قِبَل من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتته الملائكة بسرابيل من قطران ، ومقطعات من نار . فجلسوا منه بالمكان الذي يراهم . وينتزع روحه كما ينتزع السّفود الكثير شعبه من الصوف المبتل من عروقه وقلبه . فإذا خرج روحه لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماوات ، وغلقت أبواب السماء دونه ، كل باب يكره أن يصعد روحه منه . فينتهي لملك إلى ربه فيقول: يا ربّ هذا روح عبدك فلان لا تقبله أرض ولا سماء ، فيلعنه الله وملائكته فيقول: ارجعوا بعبدي فأروه ما أعددت له من الهوان ، فإني عهدت إلى عبادي أني منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم . فيردّ إليه روحه حتى يوضع في قبره ، وإنه ليسمع قرع نعالهم حين ينصرفون عنه . فيقال له: ما دينك ومن ربك؟ فيقول: لا أدري . فيقال له: لا دريت .
فيأتيه عمله في صورة قبيحة وريح منتنة فيقول: أبشر بعذاب مقيم ، فيقول: وأنت فبشّرك الله بشرّ ، فمثل وجهك يبشّر بالشر ، فمن أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث . ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له: هذا منزلك لو أطعت الله .