وقال الكسائي: معنى الكلام: يجادلونك في الحق كما أخرجك ربك من
بيتك بالحق وهم كارهون ، ومعنى الحق هنا: هو لقاء الجيش دون لقاء العير ، لأنه
هو المقدور المقضي في الكتاب السابق وهو الحق وبجدالهم له هو أنهم لما
أيقنوا بلقاء الجيش كرهوا ذلك ، وقالوا: أخرجتنا للغنيمة ولم تعرفنا بقتال فنستعد
له .
وأرى - والله أعلم - أنه خطاب منتظم بما قبله من تعداد النعم ، والمعطوف
عليه المنتظم به مضمر حاضر ، وبحضوره لم يذكره ، وهو سؤالهم إياه الأنفال ،
وجدال بعضهم مع بعض فيما كان تقدم ، فأنزل الله - جلَّ جلالُه - في الحين عليه:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) .
فما كان لله جل ذكره فهو للمؤمنين ، وما كان منها للرسول - صلى الله عليه وسلم - كان له أن
يخص فيه أو يعم ، ويحبس منها لقوته وعياله وما ينوبه ، وكان ذلك عوضًا من
صدقات المسلمين وزكاتهم ، ثم وصَّاهم بالتقوى وبصرهم معالم الإيمان وأعلمهم
بذروته ، والمضمر هنا هو ذكر الحال من النصر والنعمة به ، ثم شبه به إخراجه إياه
من بيته على غير إرادة القتال ، بل لإرادة العير ، فكان القتال والنصر على الأعداء
والظفر بأعلى المطلوب الذي هو القتل والأسر ، فكانوا من ذلك في حالهم