وإما إعذار من الإعذار، وقرأها الحسن:"عُذُرًا"بالتثقيل فيهما.
أتبع ذلك قوله الحق: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ(7) .
أتبع ذلك معلمًا متى يكون ذلك بقوله: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ(8) وَإِذَا السَّمَاءُ
فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) . هذا اليوم قيل الذي قيله الذي
ذكر فيه إطماس النجوم وتفريج السماء.
(وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ(11) . الهمزة هنا مبدلة من واو، والأصل
وقتت، من الوقت؛ أي: أنجز للرسل ما وُعدوا به، وإنما وُعدوا بتأويل ما أنذروا به،
وبشروا اليوم الذي أجل لهم هو اليوم الآخر، وهو يوم الفصل، ثم عظم شأنه لعظيم
هول مطلعه بقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ(14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) .
أتبع ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ(20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21)
يقول: ألم نخلقكم من منيٍّ، والمني عن التراب والماء،
والقرار المكين هو: الرحم، بما أوجده فيه من إمساك بإذنه وهنا فيه من إنشاء خلقًا
من بعد خلق إلى قدر معلوم من أجل ومقادير خلق يبلغه إياها، وسمى الرحم:
قرارًا، كما سمى الأرض لنا: مستقرًا، وجعل لذلك المني والمخلوق منه إجلاء
معلومًا، كما قال لنا ولكم فيها (مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36) . فليست هذه
إذًا دارنا كما لم يكن الرحم لنا بدار، وإنما دار القرار هي الدار الآخرة.
(فَقَدَّرْنَا ...(23) . بالتشديد"يعني: أعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم،"
(فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) أي: على إخراج المقدر على مسالكه من غيب
إلى وجود ظاهر، استاق الذوات بمشيئتها إلى إخراج أعمالها وشقاوتها أو سعادتها
بالجري في أسباب ذلك، وقرئ بالتخفيف (فَقَدَرْنَا) أي: على جميع مواد خلقتهم
من خزائن السماوات والأرض حتى سويناهم (فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) نحن إذًا على
إعادتهم ثانيًا، قول حق وحكم فصل وبرهان لائح تضطر العقول السليمة إلى
وجوب وجوده لا بد ولا محالة.
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(24) . وقرأ عكرمة:"فملكنا فنعم"
المالكون"، ابن أبي عبلة:"فقدرنا فنعم المقدرون"أي: أنه قدر على ما مضى"