مسالكه ، لكن هذا يبرره الامتحان بالنار ، وذلك يبرره الامتحان بالماء ، وهو في
التمثيل ، والنار في التمثيل بمنزلة المحنة كما قال: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) .
(فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ) إلى قوله: (فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)
فالفتنة بالنعمة [أشرٌ] وبطر ، والفتنة بالمحنة والمكروه كله سخط وعدم
رضا بالمزيد ، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) زبد الماء بالهواء والشمس ، وزبد الأرض
بالنار (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) أي: أمثال المؤمنين والكافرين ، كما
قال عز من قائل: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1)
أي: أبطلها وأمحقها هلاكًا(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى
مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)أي: بإيمانهم وأعمالهم الصالحة
(وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ(2) . بإيمانهم .
ثم قال جلَّ قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا
الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) . في ضمن هذا يدخل
معنى الرسالة والنبوة والعلم والحق إلى غير ذلك ، فرحم الله سلفنا ورضي عنا
وعنهم ، وجزاهم عنا خير ما جزى سلفًا عن خلف ، هم الذين وطؤوا بنا معابر النظر
فقفونا آثارهم ، وسلكوا سبيل الحق [فهدينا] بفضل هدايتهم ، والحمد لله رب
العالمين .
قوله - جلَّ جلالُه -: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ...(19) .
أخبر - جلَّ جلالُه - أن الذكرى إنما هي لأولي الألباب ، واللب: صفة في العقل يوصف به إذا تم
إيمانه ، وفكر بعقل سليم ونظر صائب فاستخرج بواطن المعاني وخفاياها ، وعبر
بمفهوم الشواهد إلى غيوبها ؛ وصابر النفس على مكروهها ولم يرضَ بالمقارنة في
العلم دون التحقيق فيه والعمل به ، وصعد إلى ذروتها .
ثم جعل ينسق صفاتهم ليهتدى بهم ويقتفى بآثارهم بقوله الحق: (الَّذِينَ
يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ... (21)