النفقة في سبيل الله الذي جعلها حبة بسبعمائة حبة ، وإنما ذلك ؛ لأنه أحوجهم إلينا
كالزوجة والولد والخادم والدابة التي لا بد منها ولا غنى عنها ، فاقضِ بذلك على
أن الله - جل ذكره - غير مضيعك متى انقطعت إليه ، متى أخلصت التوكل عليه
وتشاغلت به عن سواه ، وهو أنزه وأبعد بعدًا مما عرض به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
"كفى بالمرء لومًا أن يضيع من يقيت".
ومنه: إكرام الضيف وبر الجار ، نزول الضيف بساحتك وحلوله بفنائك أوجب
عليك كرامه وقَراه ، وكذلك القرابات ، فافهم عن ربك ولا ترضَ لنفسك بمنزلة
الأباعد منه ولا برتبة من لم يحلل بفنائه رحلة ، ولا حط بساحته ثقل شغله ، ولا
اعتمد عليه بقلبه ، فيكون بمنزلة الأباعد منه ، فيكلك بذلك إلى نفسك ويدعك
وكدح يدك تملأ قلبك شغلًا ويدك كدًا ، وجسمك كسلًا وتعبًا ، ليس كحالك إذا
أويت إليه واتكلت عليه ، متى عراك مَهَمٌّ وجدت منه ملجأ ، أو أصابتك مصيبة دخر
لك عنده عوضها ذخزا ما بقيت لأجل ذلك عزاء من نائبتك ، وكان لك منه معتمدًا
كريمًا وملجأ منيعًا ، منَّ الله بها علينا وعليك من خصلة ويسرها لا برحمته ومنِّهِ .
نظم بذلك قوله الحق: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ...(21) .
هذا منتظم بقوله: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ)
أي: من إقامة التوحيد ولزوم الصراط المستقيم(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ
شَرَعُوا لَهُمْ)كقوله:(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ
عَلَيْهِمْ)وينتظم إلحاق من أسلم لله وجهه وشهد بالحق ، بمعنى:
التوكل ، يقول: أَلَهُم رازق غير الله يرزقهم من السماء والأرض .
نظم بذلك قوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ) أي: تأجيلهم إلى الأجل المسمى
(لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) فيما هم فيه يختلفون ، فترى المشركون غب
شركهم ، وترى المتوكلون على الله العاملون له المشغلون أنفسهم وجوارحهم
بطاعته حسن مآبهم وكريم منقلبهم ، كشف عن الحقيقة بقوله: (تَرَى الظَّالِمِينَ
مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ