أحوالهم على مقادير منازلهم ومحالهم في مقاماتهم في الصديقية والولاية ، وذلك
بحكمة من الله - جلَّ جلالُه - في أوليائه ، وليشرفوا بحالهم تلك على رفع محل النبوة
والرسالة فيصدقوا بها ، ويثيبهم أيضًا ويسرهم على صدق محادثة يحادثون بها ،
وتكليم يكلمون به في سرائرهم ، ونفث ينفث في روعهم .
وأما أهل النبوة المحجورة: والوحي الممنوع من سواهم فكالسميع المتكلم
البصير ، وهم أيضًا على ذلك يتفاوتون .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) فلقد
كلمتهم البرايا وسمعوا خطابها ، وناطقتهم الخرس وتبينوا تسبيحاتها ، ونشأ بهم
الحق حتى كلم بعضهم العلي الأعلى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا(164) .
وقال جل قوله: (مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ) فوق بعض (دَرَجَاتٍ)
فأرفعهم درجة في تكليمه جل ثناؤه وتعالى علاؤه وشأنه عن موسى
-عليه السلام - .
وبالجملة: فلا يعتمدن المعتمد في تكليم الموجودات على الأصوات وتعرف
اللغات ، إنما كلام يلقي سامعه فهمه ؛ لأنه مراد به حسب ، فافهمه .
قوله - جلَّ جلالُه -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ
فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)
لما علموا قدر ما باعوه من دينهم ، وما أخذوا
باشترائهم عوضًا مما باعوه لزم وجود الصفقة في الشراء والبيع ، واليهود اشتروا
بالهدى الذي هداهم الله برسوله - صلى الله عليه وسلم - وبكتابه وبفرقانه الضلالة ، وهو كفرهم
وكتمانهم ما ورثوه من أنبيائهم ، ولبسهم الحق بالباطل ، فكانوا بذلك مشترين
العذاب بالمغفرة .
(فصل)
قوله جل قوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) قد يعبر بلفظ الصبر
على الجرأة عن حكاية عن العرب ، فعلى هذه يكون معنى قوله جل قوله:(فَمَا
أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)ما أجرأهم عليها في الدنيا ، وهو معنى قائم بنفسه صادق
تأويله ، وإن كان فيه تحريف يسير ، وحقيقة وجود الصبر هو من بين أمرين .